وكذلك قوله: "لا يقبلُ الله صلاةَ أحدِكُم إذا أحْدَث حتى يتوضّأ"١ فإنه لو تعذَّر عليه الوضوء صلى بدونه، وكانت صلاته مقبولة.
وكذلك قوله ﷺ: "لا تُجزِئ صلاةٌ لا يقيمُ الرجلُ فيها صُلْبَه في الرّكوع والسجود"٢ فإنه لو كُسِر صُلبه وتعذَّر عليه إقامته أجزأته صلاته. ونظائره كثيرة. فكون٣ الطهور مفتاحًا للصلاة هو من هذا.
لكن هنا نظرٌ آخر، وهو أنه إذا لم يمكن اعتبار الطهور عند تعذُّره، فإنه يسقط وجوبه، فمن أين لكم أن الصلاة تُشرع بدونه في هذه الحال؟ وهذا حَرْف المسألة، وهلَّا قلتم: إن الصلاة بدونه كالصلاة مع الحيض غير مشروعة، لمَّا كان الطهور غير مقدور للمرأة، فلمَّا صار مقدورًا لها شُرعت لها الصلاة وترتَّبت في ذمتها، فما الفرق بين العاجز عن الطهور شرعًا والعاجز عنه حسًّا؟ فإنّ كلًّا منهما غير متمكِّن من الطهور؟
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود (٨٥٥)، والترمذي (٢٦٥)، والنسائي (١٠٢٧)، وابن ماجه (٨٧٠)، وأحمد (١٧٠٧٣)، وابن خزيمة (٦٦٦)، وابن حبان (١٨٩٢)، وغيرهم من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁. قال الترمذي: "حسن صحيح"، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني في "السنن" (١٣١٥).
(٣) رسمها في الأصل: "فيكون" والظاهر ما أثبتناه.
قيل: هذا سؤال يحتاج إلى جواب، وجوابه أن يقال: زمن الحيض جعله الشارع منافيًا لشرعيّة العبادات، من الصلاة والصوم والاعتكاف. فليس وقتًا لعبادة الحائض، فلا يُرتَّب١ عليها فيه شيء. وأما العاجز فالوقت في حقّه قابل لترتُّب العبادة المقدورة في ذمّته، فالوقت في حقِّه غير منافٍ لشرعية العبادة بحسب قدرته، بخلاف الحائض، فالعاجز ملحَقٌ بالمريض المعذور الذي يُؤمر بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه، والحائض ملحقة بمن هو من غير أهل التكليف، فافترقا.
ونُكْتة الفرق: أنَّ زمن الحيض ليس بزمنِ تكليفٍ بالنسبة إلى الصلاة، بخلاف العاجز، فإنه مكلَّف بحسب الاستطاعة، وقد ثبت في "صحيح مسلم"٢: أن النبيَّ ﷺ بعث أُناسًا لطلب قلادةٍ أضلّتها عائشة، فحضرت الصلاةُ، فصلَّوا بغير وضوء، فأتوا النبيَّ ﷺ فذكروا ذلك له، فنزلت آية التيمم. فلم يُنكر النبيُّ ﷺ عليهم، ولم يأمرهم بالإعادة. وحالةُ [ق ٦] عدم التراب كحالة عدم مشروعيته ولا فرق، فإنهم صلَّوا بغير تيمُّم لعدم مشروعية التيمم حينئذٍ. فهكذا من صلى بغير تيمّم لعدم ما يتيمم به، فأي فرقٍ بين عدمه في نفسه وعدم مشروعيته؟
فمقتضى القياس والسنة أن العادم يصلي على حسب حاله، فإنّ الله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، ولا يعيد، لأنه فَعَل ما أُمِر به، فلم تجب عليه الإعادة، كمن ترك القيام والاستقبال والسترة والقراءة لعجزه عن ذلك، فهذا موجَب النص والقياس.
(١) في الطبعتين: "يترتب" وما أثبته أقرب إلى رسم الأصل و(ش).