تهذيب السنن

عنهم»١.

قال: وليس فيما ذكروا ما يوجب للحديث ضعفًا، فمن يجوّز الصيام عن الميت يجوّز الإطعام عنه.

وفيما روي عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر، والأحاديث المرفوعة أصح إسنادًا وأشهر رجالًا، وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما، ولو وقف الشافعي على جميع طرقها وتَظاهُرِها، لم يخالفها إن شاء الله.

[ق ١٢٧] وممن رأى جواز الصيام عن الميت: طاوس والحسن البصري والزهري وقتادة. آخر كلام البيهقي.

اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم هل يُقضى عنه؟ على ثلاثة أقوال٢:

أحدها: لا يُقضى عنه بحال، لا في النذر ولا في الواجب الأصلي. وهذا ظاهر مذهب الشافعي، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه.

الثاني: أنه يصام عنه فيهما. وهذا قول أبي ثور وأحد قولَي الشافعي.

والثالث: أنه يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي. وهذا مذهب أحمد المنصوص عنه٣، وقول أبي عبيد والليث بن سعد، وهو المنصوص عن

  1. (١) . لم أجد من أخرجه، وقال عنه الحافظ في «الفتح» (٤/ ١٩٤): ضعيف جدًّا.
  2. (٢) . انظر: «الإشراف» (٣/ ١٤٩)، و«التمهيد» (٩/ ٢٧، ٢٨)، و«المغني» (٤/ ٣٩٨، ٣٩٩)، و«المجموع» (٦/ ٤١٥).
  3. (٣) . انظر: «مسائل أحمد» برواية عبد الله (ص ١٨٦)، وبرواية الكوسج (١/ ٦٢١)، وبرواية أبي داود (ص ١٣٧).
93

ابن عباس. روى الأثرم عنه١ أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر، وعليه صوم رمضان؟ قال: «أما رمضان فليُطعَم عنه، وأما النذر فيصام».

وهذا أعدل الأقوال، وعليه يدل كلام الصحابة. وبهذا يزول الإشكال وتعليلُ حديث ابن عباس بأنه قال: «لا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه»، فإن هذا إنما هو في الفرض الأصلي، وأما النذر فيصام عنه، كما صرح به ابن عباس، ولا معارضة بين فتواه وروايته. وهذا هو المروي عنه في قصة من مات وعليه صوم رمضان وصوم النذر، فرق بينهما، فأفتى بالإطعام في رمضان، وبالصوم عنه في النذر، فأي شيء في هذا ما يوجب تعليل حديثه؟

وكذلك ما روي عن عائشة من إفتائها في التي ماتت وعليها الصوم: أنه يطعم عنها، إنما هو في الفرض لا في النذر، لأن الثابت عن عائشة فيمن مات وعليه صيام رمضان أنه يطعم عنه في قضاء رمضان، ولا يصام، فالمنقول عنها كالمنقول عن ابن عباس سواء، فلا تعارض بين رأيها وروايتها.

وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب، وموافقة فتاوى الصحابة لها، وهو مقتضى الدليل والقياس، لأن النذر ليس واجبًا بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدَّين الذي استدانه، ولهذا شبهه النبي ﷺ بالدين في حديث ابن عباس. والمسؤول عنه فيه أنه كان صوم نذر، والدَّين تدخله النيابة.

وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام، فلا

  1. (١) . أي عن ابن عباس، لا كما توَّهمه محقق ط. المعارف أن المراد: عن الإمام أحمد. والأثر ذكره ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٣٩٩) وعزاه إلى «السنن» للأثرم. وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (٧٦٥١)، وابن حزم في «المحلى» (٧/ ٧)، والبيهقي (٤/ ٢٥٤).
94

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي