تدخله النيابة بحال، كما لا تدخل الصلاةَ والشهادتين. فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه وقيامُه بحق العبودية التي خلق لها وأمر بها، وهذا أمر لا يؤدّيه عنه غيره، كما لا يُسْلِم عنه غيره، ولا يصلي عنه غيره.
وهكذا من ترك الحجّ عمدًا مع القدرة عليه حتى مات، أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات، فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع: أن فعلهما عنه بعد الموت١ لا يبرئ ذمته، ولا يقبل منه. والحق أحق أن يتبع.
وسرّ الفرق: أن النذر التزام من المكلف لِما شغل به ذمته، لا أن الشارع ألزمه به ابتداء، فهو أخفّ حكمًا مما جعله الشارع حقًّا له عليه، شاء أم أبى. والذمة تسع المقدور عليه والمعجوز عنه، ولهذا تقبل أن يَشْغَلها المكلَّفُ بما لا قدرة له عليه، بخلاف واجبات الشرع، فإنها على قدر طاقة البدن، لا تجب على عاجز. فواجب الذمة أوسع من واجب الشرع الأصلي، لأن المكلف متمكّن من إيجاب واجبات كثيرة عليه لم يوجبها عليه الشارع، والذمة واسعة، وطريق أداء واجبها أوسع من طريق أداء واجب الشرع، فلا يلزم من دخول النيابة في واجبها بعد الموت دخولُها في واجب الشرع.
وهذا يبين أن الصحابة أفقه الخلق، وأعمقهم علمًا، وأعرفهم بأسرار الشرع ومقاصده وحكمه. وبالله التوفيق.
٢٦ - باب اختيار الفطر٢
٢٣٩/ ٢٣٠٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا
(١) . في الأصل وط. المعارف: «الموات»، خطأ.
(٢) . أي في السفر، فإن الباب الذي قبله في «السنن»: «باب الصوم في السفر».
يُظَلَّلُ عليه، والزحام عليه. فقال: «ليس من البِرِّ الصيامُ في السفر».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي١.٢
قال ابن القيم ﵀: وقد احتج به من يوجب الفطر في السفر. واحتجوا بأن الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ. وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر الرسول ﷺ٣.
واحتجوا أيضًا بحديث دَِحْية بن خليفة الكلبي أنه لما سافر من قريته في رمضان وذلك ثلاثة أميال أفطَر، فأفطر معه الناس، وكره ذلك آخرون، فلما رجع إلى قريته قال: «والله لقد رأيت أمرًا ما كنت أظن أني أراه، إنّ قومًا رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه»، يقول ذلك للذين صاموا. ثم قال عند ذلك: «اللهم اقبضني إليك». رواه أبو داود وغيره٤.
واحتجوا أيضًا بأن النبي ﷺ أمر بقبول رخصة الفطر. فروى النسائي٥
(١) . أبو داود (٢٤٠٧)، والبخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥)، والنسائي في «المجتبى» (٢٢٥٧)، وفي «الكبرى» (٢٥٧٧).
(٢) . للمنذري بعده كلام على معنى الحديث، لم يُشر إليه المجرّد، وإنما ذكر أن تعليق ابن القيم على نفس الحديث، ولذا اقتصرت على ذكر التخريج دون ما بعده، لاسيما أن كلام ابن القيم قد تضمّن ما ذكره المنذري مع الزيادة والتحرير.
(٤) . أبو داود (٢٤١٣)، وأحمد (٢٧٢٣١)، وابن خزيمة (٢٠٤١)، من طريق أبي الخير اليَزَني، عن منصور الكلبي، عن دحية. ومنصور الكلبي فيه جهالة، لم يوثّقه غير العجلي، وقال ابن خزيمة في «صحيحه»: «لا أعرفه بعدالةٍ ولا جرح»، وسيأتي مزيد الكلام عليه في «باب مسيرة ما يفطر فيه».
(٥) . «المجتبى» (٢٢٥٨ - ٢٢٦٠)، و«الكبرى» (٢٥٧٨ - ٢٥٨٠)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٣٥٥). وأصل الحديث متفق عليه دون قوله: «وعليكم برخصة الله ...»، وهذه الزيادة في ثبوتها نظر. وانظر: «صحيح مسلم» (١١١٥).