تهذيب السنن

من حديث جابر يرفعه: «ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخّص لكم فاقبلوها».

واحتجوا أيضًا بقوله ﷺ في الذين صاموا: «أولئك العصاة». رواه النسائي١ في قصة فطره عام الفتح.

واحتجوا أيضًا بقول عبد الرحمن بن عوف: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر». رواه النسائي٢. ولا يصح رفعه، وإنما هو موقوف.

واحتجوا أيضًا بأن الله تعالى إنما أمر المسافر بالعدة من أيام أخر، فهي فرضه الذي أمر به، فلا يجوز غيره. وحكي ذلك عن غير واحد من الصحابة٣.

وأجاب الأكثرون عن هذا بأنه ليس فيه ما يدل على تحريم الصوم في

  1. (١) . «المجتبى» (٢٢٦٣) و«الكبرى» (٢٥٨٣). والحديث في «صحيح مسلم» (١١١٤).
  2. (٢) . «المجتبى» (٢٢٨٥، ٢٢٨٦) و«الكبرى» (٢٦٠٦، ٢٦٠٧) من طريق حميد وأبي سلمة ابنَي عبد الرحمن بن عوف، عن أبيهما موقوفًا. والمحفوظ طريق أبي سلمة عن أبيه، وهو مرسل فإن أبا سلمة لم يسمع من أبيه. انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص ٢٥٥). ورواه ابن ماجه (١٦٦٦) مرفوعًا، ولا يصحّ. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٦٩٤)، وللدارقطني (٥٦٤)، و«السنن الكبرى» للبيهقي (٤/ ٢٤٤).
  3. (٣) . حكي عن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة أنهم رأوا أن الصوم في السفر لا يجزئ، وأمروا الصائم فيه بالقضاء. أخرج آثارهم ابن أبي شيبة (٩٠٨٨ - ٩٠٩١)، والطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، وفي أسانيدها ضعف.
97

السفر على الإطلاق، وقد أخبر أبو سعيد أنه صام مع النبي ﷺ بعد الفتح [ق ١٢٨] في السفر١.

قالوا: وأما قوله: «ليس من البر الصيام في السفر»، فهذا خرج على شخص معين، رآه رسول الله ﷺ قد ظُلِّل عليه وجهده الصوم، فقال هذا القول، أي ليس البر أن يَجهد الإنسان نفسه حتى يبلغ فيها٢ هذا المبلغ، وقد فسح الله له في الفطر. فالأخذ بعموم اللفظ الذي يدل سياق الكلام على إرادته، فليس من البر هذا النوع من الصيام المشار إليه في السفر.

وأيضًا فقوله: «ليس من البر» أي ليس هو أبر البر، لأنه قد يكون الإفطار أبرَّ منه إذا كان في حج أو جهاد يتقوَّى عليه. وقد يكون الفطر في السفر المباح برًّا، لأن الله تعالى أباحه ورخص فيه، وهو سبحانه يحب أن يؤخذ برُخَصه، وما يحبه الله فهو بر، فلم ينحصر البر في الصيام في السفر.

وتكون «مِن» على هذا زائدةً، ويكون كقوله تعالى ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، وكقولك: ما جاءني من أحد. وفي هذا نظر، وأحسن منه أن يقال: إنها ليست بزائدة، بل هي على بابها. والمعنى: أن الصوم في السفر ليس من البر الذي تظنونه وتنافسون عليه؛ فإنهم ظنّوا أن الصوم هو الذي يحبه الله ولا يحب سواه، وأنه وحدَه البر الذي لا أبرَّ منه، فأخبرهم أن الصوم في السفر ليس من هذا النوع الذي تظنونه، فإنه قد يكون الفطر أحبَّ إلى الله منه، فيكون هو البر.

قالوا: وأما كون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ، فالمراد به

  1. (١) . رواه مسلم (١١٢٠).
  2. (٢) . كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بها» كما في ط. الفقي.
98

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي