قيل: هذا سؤال يحتاج إلى جواب، وجوابه أن يقال: زمن الحيض جعله الشارع منافيًا لشرعيّة العبادات، من الصلاة والصوم والاعتكاف. فليس وقتًا لعبادة الحائض، فلا يُرتَّب١ عليها فيه شيء. وأما العاجز فالوقت في حقّه قابل لترتُّب العبادة المقدورة في ذمّته، فالوقت في حقِّه غير منافٍ لشرعية العبادة بحسب قدرته، بخلاف الحائض، فالعاجز ملحَقٌ بالمريض المعذور الذي يُؤمر بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه، والحائض ملحقة بمن هو من غير أهل التكليف، فافترقا.
ونُكْتة الفرق: أنَّ زمن الحيض ليس بزمنِ تكليفٍ بالنسبة إلى الصلاة، بخلاف العاجز، فإنه مكلَّف بحسب الاستطاعة، وقد ثبت في "صحيح مسلم"٢: أن النبيَّ ﷺ بعث أُناسًا لطلب قلادةٍ أضلّتها عائشة، فحضرت الصلاةُ، فصلَّوا بغير وضوء، فأتوا النبيَّ ﷺ فذكروا ذلك له، فنزلت آية التيمم. فلم يُنكر النبيُّ ﷺ عليهم، ولم يأمرهم بالإعادة. وحالةُ [ق ٦] عدم التراب كحالة عدم مشروعيته ولا فرق، فإنهم صلَّوا بغير تيمُّم لعدم مشروعية التيمم حينئذٍ. فهكذا من صلى بغير تيمّم لعدم ما يتيمم به، فأي فرقٍ بين عدمه في نفسه وعدم مشروعيته؟
فمقتضى القياس والسنة أن العادم يصلي على حسب حاله، فإنّ الله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، ولا يعيد، لأنه فَعَل ما أُمِر به، فلم تجب عليه الإعادة، كمن ترك القيام والاستقبال والسترة والقراءة لعجزه عن ذلك، فهذا موجَب النص والقياس.
(١) في الطبعتين: "يترتب" وما أثبته أقرب إلى رسم الأصل و(ش).
(٢) رقم (٣٦٧)، وهو في "صحيح البخاري" (٣٣٦) أيضًا.
فإن قيل: القيام له بدَلٌ، وهو القعود، فقام بدله مقامه، كالتراب عند عدم الماء، والعادمُ هنا صلَّى بغير أصلٍ ولا بدَلٍ.
قيل: هذا هو مأخذ المانعين من الصلاة والموجبين للإعادة، ولكنه منتقضٌ بالعاجز عن السُّترة، فإنه يصلي من غير اعتبار بَدَل، وكذلك العاجز عن الاستقبال، وكذلك العاجز عن القراءة والذِّكر.
وأيضًا فالعجز عن البَدَل في الشرع كالعجز عن المبْدَل١ سواء. هذه قاعدة الشريعة.
وإذا كان عجزه عن المبْدَل لا يمنعه من الصلاة، فكذلك عجزه عن البدل. وستأتي المسألة مستوفاة في باب التيمم إن شاء الله٢.
وفي الحديث دليل على اعتبار النية في الطهارة بوجهٍ بديع. وذلك لأنه ﷺ جعل الطهور مفتاح الصلاة، التي لا تُفْتَتح ويُدْخَل فيها إلا به، وما كان مفتاحًا للشيء كان قد وُضع لأجله وأُعدّ له. فدلَّ على أن كونه مفتاحًا للصلاة هو جهة كونه طهورًا، فإنه إنما شُرع للصَّلاة وجُعِل مفتاحًا لها. ومن المعلوم أن ما شُرِع للشيء ووُضِع لأجله لا بدّ أن يكون الآتي به قاصدًا ما جُعِل مفتاحًا له ومدخلًا إليه. هذا هو المعروف حسًّا كما هو ثابت شرعًا. ومن المعلوم أن من سقط في ماء وهو لا يريد التطهُّر، لم يأتِ بما هو مفتاح الصلاة، فلا تُفْتَح له الصلاة. وصار هذا كمن حكى عن غيره أنه قال: "لا إله إلا الله" وهو غير قاصد لقولها، فإنها لا تكون مفتاحًا للجنة منه؛ لأنه لم
(١) زاد في ط. الفقي بعده "منه" وليس لها داعٍ.
(٢) لعلها فيما لخَّصه المؤلف من كلام المنذري فلم يذكره المجرِّد هنا.