تهذيب السنن

قال ابن القيم ﵀: قال المجوزون للفطر في مطلق السفر: هب أن حديث دحية لم يثبت. فقد أطلق الله تعالى السفر، ولم يقيِّده بحد، كما أطلقه في آية التيمم، فلا يجوز حدّه إلا بنص من الشارع أو إجماع من الأمة، وكلاهما مما لا سبيل إليه. كيف وقد قصر أهل مكة مع النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة١، ولا تأثير للنسك في القصر بحال، فإن الشارع إنما علّق القصر بالسفر، فهو الوصف المؤثر فيه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه سمى مسيرة البريد سفرًا في قوله: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر بريدًا إلا مع ذي محرم»٢.

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا يدخل فيه كل سفر طويل أو قصير.

وقال ﷺ: «إذا سافرتم في الخِصْب فأعطُوا الإبل حقَّها٣ من الأرض،

  1. (١) . كما في حديث حارثة بن وهب الخُزاعي أنّه صلّى مع النبي ﷺ بمنًى ركعتين. أخرجه البخاري (١٠٨٣)، ومسلم (٦٩٦)، وأبو داود (١٩٦٥) في «باب القصر لأهل مكة» وقال: «حارثة من خزاعة، ودارهم بمكة».
  2. (٢) . أخرجه أبو داود (١٧٢٥)، والبزار (٨٥٢٠)، وابن خزيمة (٢٥٢٦)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ١١٢ - ١١٤) من طرق عن سهيل بن أبي صالح، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا. وقد تفرّد سهيل ــ وهو صدوق وليس بالحافظ ــ بذكر البريد، على اختلاف عليه في سنده ومتنه، والحفاظ يروونه عن أبي هريرة بلفظ: «مسيرة يوم وليلة» ونحوه. هكذا في «الصحيحين» وغيرهما. انظر: «التمهيد» (٢١/ ٥٣ - ٥٥)، و«الضعيفة» (٥٧٢٧).
  3. (٣) . كذا في الأصل، وهو لفظ أبي داود ورواية عند أحمد، ولفظ مسلم وغيره: «حظّها».
108

وإذا سافرتم [ق ١٣٠] في الجَدْب فبادِرُوا بها نِقْيَها»١، وهذا يعمّ كل سفر، ولم يفهم منه أحد اختصاصه باليومين فما زاد.

ونهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو٢، ونهى أن يسافر الرجل وحده٣، وأخبر أن دعوة المسافر مستجابة٤،

وكان يتعوذ مِن وَعثاء السفر٥، وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه٦. ومعلوم أن شيئًا من هذه الأسفار لا يختص بالطويل. ولو سافر دون اليومين أقرع بين نسائه٧، ولم

  1. (١) . أخرجه أحمد (٨٤٤٢، ٨٩١٨)، ومسلم (١٩٢٦)، وأبو داود (٢٥٦٩)، والترمذي (٢٨٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
    والنِقْي: مخّ العظام وشَحْمها، كني به عن القوة، أي أسرِعوا قبل أن تنفد قوّتها.
  2. (٢) . أخرجه البخاري (٢٩٩٠)، ومسلم (١٨٦٩).
  3. (٣) . أخرجه أحمد (٥٦٥٠) من حديث ابن عمر ﵄. وأصله في البخاري (٢٩٩٨) وغيره بلفظ: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليل وحده».
  4. (٤) . أخرجه أحمد (٧٥١٠)، وأبو داود (١٥٣٦)، والترمذي (١٩٠٥)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٣٢)، وابن حبان (٢٦٩٩)، من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي جعفر، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن ... وأبو جعفر الذي روى عن أبي هريرة يقال له: أبو جعفر المؤذن، ولا نعرف اسمه، وقد روى عنه يحيى بن أبي كثير غيرَ حديث.
    وله شاهد من حديث عقبة بن عامر عند أحمد (١٧٣٩٩) وابن خزيمة (٢٤٧٨) بإسناد فيه ضعف لجهالة حال التابعي الراوي عن عقبة.
  5. (٥) . أخرجه مسلم (١٣٤٢، ١٣٤٣) من حديث ابن عمر، وعبد الله بن سَرْجِس ﵃.
  6. (٦) . أخرجه البخاري (٢٥٩٣)، ومسلم (٢٤٤٥) من حديث عائشة ﵂.
  7. (٧) . وردت هذه الجملة في ط. الفقي هكذا: «ولا أنه لو سافر دون اليومين لم يُقرع بين نسائه» غيّرها عمّا في الأصل دون تنبيه.
109

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي