قال الأثرم٢: حجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها:
حديث أم سلمة حين سُئلت: أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثر صيامًا لها؟ فقالت: السبت والأحد٣.
ومنها حديث جويرية: [ق ١٣١] أن النبي ﷺ قال لها يوم الجمعة: «أصُمتِ أمس؟» قالت: لا. قال: «أتريدين أن تصومي غدًا؟»٤، فالغد: هو يوم السبت.
وحديث أبي هريرة: نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة، إلا بيوم قبله أو يوم بعده٥. فاليوم الذي بعده: هو يوم السبت.
(١) . كما في «المسند» (٢٧٠٧٥).
(٢) . ما زال الكلام له من «مسائله»، وله بنحوه مختصرًا في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (ص ٢٠١ - ٢٠٣).
(٣) . أخرجه أحمد (٢٦٧٥٠)، والنسائي في «الكبرى» (٢٧٨٩)، وابن خزيمة (٢١٦٧)، وابن حبان (٣٦١٦)، والحاكم (١/ ٤٣٦) من طريق عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن كريب، عن أم سلمة. إسناده مقارب، عبد الله بن محمد بن عمر وأبوه وثّقهما ابن حبّان والدارقطني، إلا أن ابن حبان قال عن عبد الله: «يخطئ ويخالف». انظر: «الثقات» (٧/ ٢، ٥/ ٣٥٣) و«سؤالات البرقاني» (ص ٢٢).
(٤) . أخرجه البخاري (١٩٨٦).
(٥) . سبق تخريجه.
وقال: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال»١، وقد يكون فيها السبت.
وأمر بصيام البيض٢، وقد يكون فيها السبت. ومثل هذا كثير.
فقد فهم الأثرم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث، وأنه رخص في صومه، حيث ذكر الحديث الذي يُحتج به في الكراهة، وذكر أن الإمام في علل الحديث يحيى بنَ سعيد كان ينفيه٣، وأبى أن يحدث به، فهذا تضعيف للحديث. واحتج الأثرم بما ذكر من النصوص المتواترة على صوم يوم السبت.
يبقى أن يقال: يمكن حمل النصوص الدالة على صومه على ما إذا صامه مع غيره، وحديثِ النهي على صومه وحده، وعلى هذا تتفق النصوص. وهذه طريقة جيدة، لو لا أن قوله في الحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا
(١) . أخرجه مسلم (١١٦٤) من حديث أبي أيوب ﵁.
(٢) . في «الاقتضاء»: «بصيام أيام البيض»، فما هنا من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقامه. وفي ط. الفقي: «الأيام البيض» خلافًا للأصل، ويُعدُّ لحنًا، إذ البيض وصف لِلَّيالي، وإلَّا فكل أيام الشهر بِيض. انظر «القاموس» (بيض) و«شرح عمدة الفقه» لابن تيمية (٣/ ٤٩٢). وقد صحّ الترغيب في صيام أيام البيض في حديث جرير بن عبد الله البجلي مرفوعًا عند النسائي (٢٤٢٠). وفي الباب حديث أبي ذر عند أحمد (٢١٤٣٧) والترمذي (٧٦١) والنسائي (٢٤٢٢) وابن خزيمة (٢١٢٨)، وحديث قتادة بن ملحان عند أبي داود وغيره (وسيأتي ص ٢٧٠)، وفي إسناديهما ضعف يُحتَمَل.
(٣) . في الأصل والطبعتين: «أن الإمام علل حديث يحيى بن سعيد وكان ينفيه» خطأ، والتصحيح من «الاقتضاء»، إلا أن فيه: «يتقيه» بدل «ينفيه» كما سبق.