فيما افترض عليكم» دليل على المنع من صومه في غير الفرض مفردًا أو مضافًا، لأن الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه، إلا صورة الفرض. ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد، لقال: لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده، كما قال في الجمعة. فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية عُلم تناول النهي لما قابلها.
وقد ثبت صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث وغيرها، كقوله في يوم الجمعة: «إلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده»، فدل على أن الحديث غير محفوظ وأنه شاذ.
وقد قال أبو داود١: قال مالك: هذا كذب. وذكر٢ بإسناده عن الزهري أنه كان إذا ذكر له النهي عن صيام يوم السبت، يقول: هذا حديث حِمصي، وعن الأوزاعي قال: ما زلت كاتمًا له حتى رأيته انتشر، يعني حديث ابن بسر هذا.
وقالت طائفة، منهم أبو داود: هذا حديث منسوخ.
وقالت طائفة، وهم أكثر أصحاب أحمد: الحديث محكم، وأخذوا به في كراهة إفراده بالصوم، وأخذوا بسائر الأحاديث في صومه مع ما يليه. قالوا: وجواب أحمد يدل على هذا التفصيل، فإنه سئل في رواية الأثرم عنه: فأجاب بالحديث. وقاعدة مذهبه: أنه إذا سئل عن حكم فأجاب فيه بنصّ يدل عليه، أن جوابه بالنص دليل على أنه قائل به، لأنه ذكره في معرض الجواب، فهو متضمن للجواب والاستدلال معًا.
(١) . «السنن» عقب الحديث (٢٤٢٤).
(٢) . برقم (٢٤٢٣، ٢٤٢٤).
قالوا: وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد، فإنما هو بيان لما وقع من الشبهة في الحديث.
قالوا: وإسناده صحيح، ورواته غير مجروحين ولا متّهمين، وذلك يوجب العمل به، وسائرُ الأحاديث ليس فيها ما يعارضه، لأنها تدل على صومه مضافًا، فيحمل النهي على صومه مفردًا، كما ثبت في يوم الجمعة.
ونظير هذا الحكمِ أيضًا كراهة إفراد رجب بالصوم، وعدم كراهته موصولًا بما قبله أو بعده.
ونظيره أيضًا: ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان= أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه، وأما صومه مع ما قبله من نصفه الأول، فلا يكره١.
قالوا: وقد جاء هذا مصرّحًا به في صوم يوم السبت، ففي «مسند الإمام أحمد»٢، من حديث ابن لَهِيعة: نا موسى بن وَرْدان، عن عُبيد الأعرج: حدثتني جدتي ــ يعني الصمّاء ــ أنها دخلت على رسول الله ﷺ يوم السبت، وهو يتغدى. فقال: «تعالي تغدَّي». فقالت: إني صائمة. فقال لها: «أصُمتِ أمس؟» قالت: لا. قال: «كُلِي، فإن صيام يوم السبت لا لك، ولا عليك».
وهذا، وإن كان في إسناده من لا يحتج به إذا انفرد، لكن يدل عليه ما
(١) . الذي نقله أبو داود عن الإمام أحمد في «المسائل» (ص ٤٣٤) أنه قال في حديث العلاء: إنه منكر. وبنحوه في «المغني» (٤/ ٣٢٧)، والحمل المذكور ذكره الترمذي عن بعض أهل العلم كما سبق (ص ١٩).