قالوا: وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد، فإنما هو بيان لما وقع من الشبهة في الحديث.
قالوا: وإسناده صحيح، ورواته غير مجروحين ولا متّهمين، وذلك يوجب العمل به، وسائرُ الأحاديث ليس فيها ما يعارضه، لأنها تدل على صومه مضافًا، فيحمل النهي على صومه مفردًا، كما ثبت في يوم الجمعة.
ونظير هذا الحكمِ أيضًا كراهة إفراد رجب بالصوم، وعدم كراهته موصولًا بما قبله أو بعده.
ونظيره أيضًا: ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان= أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه، وأما صومه مع ما قبله من نصفه الأول، فلا يكره١.
قالوا: وقد جاء هذا مصرّحًا به في صوم يوم السبت، ففي «مسند الإمام أحمد»٢، من حديث ابن لَهِيعة: نا موسى بن وَرْدان، عن عُبيد الأعرج: حدثتني جدتي ــ يعني الصمّاء ــ أنها دخلت على رسول الله ﷺ يوم السبت، وهو يتغدى. فقال: «تعالي تغدَّي». فقالت: إني صائمة. فقال لها: «أصُمتِ أمس؟» قالت: لا. قال: «كُلِي، فإن صيام يوم السبت لا لك، ولا عليك».
وهذا، وإن كان في إسناده من لا يحتج به إذا انفرد، لكن يدل عليه ما
(١) . الذي نقله أبو داود عن الإمام أحمد في «المسائل» (ص ٤٣٤) أنه قال في حديث العلاء: إنه منكر. وبنحوه في «المغني» (٤/ ٣٢٧)، والحمل المذكور ذكره الترمذي عن بعض أهل العلم كما سبق (ص ١٩).
(٢) . برقم (٢٧٠٧٦)، وهو ضعيف لتفرد ابن لهيعة به.
تقدم من الأحاديث. وعلى هذا، فيكون معنى قوله ﷺ: «لا تصوموا يوم السبت» أي لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض، فإن الرجل يقصد صومه بعينه بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت، كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت، فإنه يصومه وحده.
وأيضًا فقصده بعينه في الفرض لا يكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره. ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه، أو موافقته عادة. فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضًا، لا المقارنة بينه وبين غيره. وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه، أو موافقته عادة، ونحو ذلك.
قالوا: وأما قولكم: إن الاستثناء دليل التناول ... إلى آخره، فلا ريب أن الاستثناء أخرج صورة الفرض من عموم النهي، وصورةُ الاقتران بما قبله أو بما بعده أُخرِجت بالدليل الذي تقدم. فكلا الصورتين١ مُخرَج، أما الفرض فبالمُخرِج المتصل، وأما صومه مضافًا فبالمُخرِج المنفصل، فبقيت صورة الإفراد، واللفظ متناول لها، ولا مُخرِجَ لها من عمومه، فيتعين حمله عليها.
ثم اختلف [ق ١٣٢] هؤلاء في تعليل الكراهة، فعلّلها ابنُ عَقيل بأنه يوم يُمسك فيه اليهود ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، والصائم في مظنة ترك العمل فيصير صومه تشبُّهًا بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد. ولا يقال: فهذه العلة موجودة إذا صامه مع غيره، ومع هذا فإنه لا يكره؛ لأنه إذا صامه مع غيره لم يكن قاصدًا إلى تخصيصه المقتضي للتشبّه، وشاهدُه استحباب ضمّ٢ يومٍ قبلَ عاشوراء وبعده إليه لتنتفي صورة الموافقة.
(١) . كذا في الأصل بتذكير «كلا»، وانظر ما سبق (ص ٤٧).
(٢) . في الأصل والطبعتين: «صوم»، وهو تصحيف يدّل عليه قوله: «إليه» بعده. وانظر نحو هذه العبارة على الصواب في «زاد المعاد» (١/ ٤٠٦).