تهذيب السنن

يقصدها. وهكذا هذا، لمَّا لم يقصد الطهور لم يحصل له مفتاح الصلاة.

ونظيرُ ذلك الإحرام، هو مفتاح عبادة الحج، ولا يحصل له إلا بالنية، فلو اتفق تجرّده لحَرٍّ أو غيره، ولم يخطر بباله الإحرامُ، لم يكن محرمًا بالاتفاق. فهكذا هذا يجب أن لا يكون متطهِّرًا. وهذا بحمد الله بَيِّن.

فصل

الحكم الثاني: قوله: "وتحريمها التكبير". وفي هذا مِن حصر التحريم في التكبير نظير ما تقدَّم في حصر مفتاح الصلاة في التطهُّر١ من الوجهين، وهو دليل بَيِّن أنه لا تحريمَ لها إلا التكبير.

وهذا قول الجمهور وعامّة أهل العلم قديمًا وحديثًا. وقال أبوحنيفة: ينعقد بكلّ لفظٍ يدلّ على التعظيم. فاحتجَّ الجمهورُ عليه بهذا الحديث.

ثم اختلفوا، فقال أحمد ومالك وأكثر السلف: تتعيّن لفظة "الله أكبر" وَحْدها. وقال الشافعي: يتعيّن أحد اللفظين: "الله أكبر" أو"الله الأكبر". وقال أبو يوسف: يتعيَّن التكبير وما تصرَّف منه، نحو "الله الكبير" ونحوه. وحجَّته: أنه يسمّى تكبيرًا حقيقةً، فيدخل في قوله: "تحريمها التكبير"٢.

وحجة الشافعي: أن المُعرَّف في معنى المُنَكَّر، فاللام لم يخرجه عن موضوعه، بل هي زيادة في اللفظ غير مُخلّة بالمعنى، بخلاف "الله الكبير"

  1. (١) غير محررة في الأصل، ورسمها يحتمل: "الطهر" كما في نسخة (ش).
  2. (٢) انظر مذاهب العلماء في المسألة في: "الهداية": (١/ ١١٦ - ١١٧)، و"الذخيرة": (٢/ ١٦٧)، و"تهذيب المدونة": (١/ ٢٣١)، و"الأم": (٢/ ٢٢٧)، "المجموع": (٣/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، و"المغني": (٢/ ١٢٦ - ١٢٨).
25

"وكبَّرت الله" ونحوه، فإنه ليس فيه من التعظيم والتفضيل والاختصاص ما في لفظة "الله أكبر". والصحيح قول الأكثرين، وأنه يتعيَّن "الله أكبر" لخمس حجج:

أحدها١: قوله: "تحريمها التكبير"، واللام هنا للعهد، فهي كاللام في قوله: "مفتاح الصلاة الطهور" وليس المراد به كلّ طهور، بل الطهور الذي واظب عليه رسول الله ﷺ وشرعَه لأمَّته، وكان فِعلُه له تعليمًا وبيانًا لمراد الله من كلامه.

وهكذا التكبير هنا: هو التكبير المعهود الذي نقلَتْه الأمةُ نقلًا ضروريًّا، خلَفًا عن سَلَف عن نبيها ﷺ أنه كان يقوله في كل صلاة، لا يقول غيرَه ولا مرَّة واحدة. فهذا هو المراد بلا شك في قوله: "تحريمها التكبير"، وهذا حجّة على من جَوَّز "الله الأكبر" و"الله الكبير" فإنه وإن سُمّي تكبيرًا، لكنه ليس التكبيرَ المعهودَ المراد بالحديث.

الحجة الثانية: أن النبيَّ ﷺ قال للمسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكَبِّر"٢، ولا يكون ممتثلًا للأمر إلا بالتكبير. وهذا أمر مطلق يتقيّد بفعله الذي لم يخلّ به هو ولا أحدٌ من خلفائه ولا أصحابه.

الحجة الثالثة: ما روى أبو داود من حديث رفاعة أنّ النبيَّ ﷺ قال: "لا يقبل الله صلاةَ امرئ حتى [ق ٧] يضعَ الطهورَ مواضِعَه، ثم يستقبل القبلةَ

  1. (١) كذا، والوجه "إحداها".
  2. (٢) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
26

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي