تهذيب السنن

وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي١.

قال ابن القيم ﵀: وهو نص في أنّ صومَ يومٍ وفطرَ يومٍ أفضل من سرد الصيام. ولو كان سرد الصيام مشروعًا أو مستحبًّا لكان أكثر عملًا، فيكون أفضل، إذ العبادة لا تكون إلا راجحة، فلو كان عبادةً لم يكن مرجوحًا.

[ق ١٣٣] وقد تأول قوم هذا على أن المعنى: لا أفضل من ذلك للمخاطَب وحدَه لِما علم من حاله ومنتهى قوّته، وأن ما هو أكثر من ذلك يُضعفه عن فرائضه ويقطعه عن القيام بما عليه من الحقوق. وهذا تأويل باطل من وجوه.

أحدها: أن سياق الحديث يردّه، فإنه إنما كان عن المطيق، فإنه قال: «فإني أطيق أفضل من ذلك» فسبب الحديث في المطيق، فأخبره أنه لا أفضل من ذلك للمطيق الذي سأل. ولو أن رجلًا سأل من يُفضِّل السرد وقال: إني أطيق أفضل من صوم يومٍ وفطر يومٍ، لقال له: السرد أفضل!

الثاني: أنه أخبر عنه بثلاث جمل إحداها٢: أنه أعدل الصيام، والثانية: أنه صوم داود، والثالثة: أنه لا أفضل منه. وهذه الأخبار تمنع تخصيصه بالسائل.

الثالث: أن في بعض ألفاظ مسلم٣ فيه: فإني أقوى، قال: فلم يزل

  1. (١) . أبو داود (٢٤٢٧)، والبخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩)، والنسائي (٢٣٩٢).
  2. (٢) . في الأصل وط. المعارف: «أحدها».
  3. (٣) . ليس عند مسلم، وإنما أخرجه أحمد (٦٤٧٧) بنحوه.
126

يرفعني حتى قال: «صُم يومًا وأفطر يومًا، فإنه أفضل الصيام، وهو صوم أخي داود»، فعلّل ذلك بكونه أفضلَ الصيام وأنه صوم داود، مع إخباره له بقوته، ولم يقل له: فإن قَوِيتَ فالسَّرْد أفضل.

الرابع: أن هذا موافق لقوله فيمن صام الأبد: «لا صام ولا أفطر»، ومعلوم أن السائل لم يسأله عن الصوم المحرم الذي قد استقر تحريمه عندهم، ولو قُدّر أنه سأله عنه لم يكن ليجيب عنه بقوله: «لا صام ولا أفطر»، بل كان يجيب عنه بصريح النهي. والسياق يدل على أنه إنما سأله عن الصوم المأذون فيه، لا الممنوع منه، ولا يعبَّر عن صيام الأيام الخمسة، وعن المنع منها بقوله: «لا صام من صام الأبد»، ولا هذه العبارة مطابقة للمقصود، بل بعيدة منه جدًّا.

الخامس: أنه ﷺ أخبر أن أحبَّ الصيام إلى الله: صيام داود، وأحب القيام إلى الله قيام داود، وأخبر بهما معًا، ثم فسره بقوله: «كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا» رواه البخاري ومسلم١. وهذا صريح في أنه إنما كان أحبَّ إلى الله لأجل هذا الوصف، وهو ما يتخلل الصيام والقيام من الراحة التي تُجِمّ لها٢ نفسُه وتستعين بها على القيام بالحقوق. وبالله التوفيق.

٣٤ - باب في صوم المحرَّم

٢٥٠/ ٢٣١٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضلُ الصيام بعدَ شهر رمضانَ: شهر الله المحرم، وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة:

  1. (١) . البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩).
  2. (٢) . كذا في الأصل، وفي ط. الفقي: «تجم بها».
127

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي