تهذيب السنن

"وكبَّرت الله" ونحوه، فإنه ليس فيه من التعظيم والتفضيل والاختصاص ما في لفظة "الله أكبر". والصحيح قول الأكثرين، وأنه يتعيَّن "الله أكبر" لخمس حجج:

أحدها١: قوله: "تحريمها التكبير"، واللام هنا للعهد، فهي كاللام في قوله: "مفتاح الصلاة الطهور" وليس المراد به كلّ طهور، بل الطهور الذي واظب عليه رسول الله ﷺ وشرعَه لأمَّته، وكان فِعلُه له تعليمًا وبيانًا لمراد الله من كلامه.

وهكذا التكبير هنا: هو التكبير المعهود الذي نقلَتْه الأمةُ نقلًا ضروريًّا، خلَفًا عن سَلَف عن نبيها ﷺ أنه كان يقوله في كل صلاة، لا يقول غيرَه ولا مرَّة واحدة. فهذا هو المراد بلا شك في قوله: "تحريمها التكبير"، وهذا حجّة على من جَوَّز "الله الأكبر" و"الله الكبير" فإنه وإن سُمّي تكبيرًا، لكنه ليس التكبيرَ المعهودَ المراد بالحديث.

الحجة الثانية: أن النبيَّ ﷺ قال للمسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكَبِّر"٢، ولا يكون ممتثلًا للأمر إلا بالتكبير. وهذا أمر مطلق يتقيّد بفعله الذي لم يخلّ به هو ولا أحدٌ من خلفائه ولا أصحابه.

الحجة الثالثة: ما روى أبو داود من حديث رفاعة أنّ النبيَّ ﷺ قال: "لا يقبل الله صلاةَ امرئ حتى [ق ٧] يضعَ الطهورَ مواضِعَه، ثم يستقبل القبلةَ

  1. (١) كذا، والوجه "إحداها".
  2. (٢) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
26

ويقول: الله أكبر"١.

الحجة الرابعة: أنه لو كانت تنعقد الصلاةُ بغير هذا اللفظ لترَكَه النبيُّ ﷺ ولو في عمره مرةً واحدة لبيان الجواز، فحيث لم ينقل أحدٌ عنه قطُّ أنه عَدَل عنه حتى فارق الدنيا، دلَّ على أن الصلاة لا تنعقد بغيره.

الحجة الخامسة: أنه لو قام غيره مَقامه لجاز أن يقوم غير كلمات الأذان مَقامها، وأن يقول المؤذن: "كبّرت الله"، أو "الله الكبير"، أو "الله أعظم" ونحوه. بل تتعيّن لفظة "الله أكبر" في الصلاة أعظمَ من تعيّنها في الأذان؛ لأن كلّ مسلم لا بدّ له منها، وأما الأذان فقد يكون في المِصْر مؤذّن واحد أو اثنان، والأمر بالتكبير في الصلاة آكد من الأمر بالتكبير في الأذان.

وأما حجَّة أصحاب الشافعي على ترادُف: "الله أكبر"، و"الله الأكبر"، فجوابها: أنهما ليسا بمترادفين، فإن الألف واللام اشتملت على زيادة في اللفظ ونقص في المعنى.

  1. (١) عزاه بهذا اللفظ لأبي داود في "المغني": (٢/ ١٢٧)، وفي "الشرح الكبير": (٣/ ٤٠٨)، وابنُ مفلح في "المبدع": (١/ ٣٧٥). وأشار ابن عبد الهادي إلى وهم هذا العزو في "تنقيح التحقيق": (٢/ ١٢٥). وذكر ابن الجوزي في "التحقيق": (١/ ٣٢٩) هذا اللفظ وعزاه إلى بعض الفقهاء من الحنابلة.
    أقول: وقد ذكره عدد من الفقهاء في كتبهم من الشافعية والحنفية أيضًا. قال ابن الملقن في "البدر المنير": (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٩): هذا الحديث لا نعرفه كذلك في كتاب حديث! ثم ذكر عزو ابن الجوزي السالف وقال: والحديث من هذا الوجه في "سنن أبي داود" (٨٥٧)، والنسائي (١٠٥٢) لكن بلفظ "كبر" بدل "الله أكبر". ثم ذكر عددًا من روايات الحديث ليس فيها هذا اللفظ "الله أكبر" بل ألفاظ "كبّر" "فكبّر" "يكبّر". وانظر "التلخيص الحبير": (١/ ٢٣١).
27

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي