عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام ستة أيام بعد الفطر فكأنما صام الدهر كله». ويحيى بن حمزة قاضي دمشق صدوق، وأبو همام الوليد بن شجاع السُّكوني أخرج له مسلم. وهذا غريب١، لعله اشتبه على بعض رواته عمر بن ثابت بعَديّ بن ثابت وتأكد الوهم بجعله عن البراء بن عازب، لكثرة رواية عدي بن ثابت عنه.
فاختلف أهل العلم في القول بموجب هذه الأحاديث، فذهب أكثرهم إلى القول باستحباب صومها، منهم: الشافعي وأحمد وابن المبارك٢ وغيرهم. وكرهها آخرون، منهم: مالك٣. وقال مطرف٤: كان مالك يصومها في خاصة نفسه. قال: وإنما كره صومها لئلا يلحق أهلُ الجهالة٥ ذلك برمضان. فأما من رغب في ذلك لِما جاء فيه فلم ينهه.
وقد اعترض بعض الناس٦ على هذه الأحاديث باعتراضات، نذكرها
(١) . الحمل فيه على إسحاق بن عبد الله، وهو ابن أبي فروة، ضعيف متروك الحديث. انظر: «العلل» للدارقطني (١٠٠٩).
(٢) . انظر: «المجموع» (٦/ ٤٢٦)، و«المغني» (٤/ ٤٣٨)، و«سنن الترمذي» عقب الحديث (٧٥٩).
(٣) . «الموطأ» (٨٦٤).
(٤) . هو مطرّف بن عبد الله بن مطرف الهلالي المدني (ت ٢٢٠)، ابن أخت مالك، وقوله في «النوادر والزيادات» لابن أبي زيد (٢/ ٨٢ - ٨٣)، و«المفهم» لأبي العباس القرطبي (٣/ ٢٣٨).
(٥) . في الأصل: «الجاهلية»، والتصحيح من «المفهم»، وسيأتي على الصواب (ص ١٤٤، ١٤٦).
(٦) . هو أبو الخطاب ابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣) في كتابه: «العلَم المشهور في فضائل الأيام والشهور». انظر: «رفع الإشكال» (ص ١٧، ٢٠ - ٢١).
ونذكر الجواب عنها إن شاء الله:
الاعتراض الأول: تضعيفها. قالوا: وأشهرها حديث أبي أيوب، ومداره على سعد بن سعيد، وهو ضعيف جدًّا، تركه مالك وأنكر عليه هذا الحديث، وقد ضعَّفه أحمد، وقال الترمذي: تكلموا فيه من قبل حفظه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بحديث سعد بن سعيد.
وجواب هذا الاعتراض: أن الحديث قد صححه مسلم وغيره. وأما قولكم: يدور على سعد بن سعيد، فليس كذلك، بل قد رواه صفوان بن سليم، ويحيى بن سعيد أخو سعد المذكور، وعبد ربه بن سعيد، وعثمان بن عمرو الحرّاني١.
أما حديث صفوان، فأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان٢.
وأما حديث يحيى بن سعيد، فرواه النسائي٣ عن هشام بن عمار، عن صَدَقة بن خالد (متفق عليهما)، عن عتبة بن أبي حكيم (وثقه الرازيان وابن معين وابن حبان)، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ وعبدُ الملك بن محمد بن أبي بكر بن [محمد بن] عمرو بن حزم٤،
(١) . في الأصل والمطبوع: «الخزاعي»، خطأ، وقد سبق التنبيه عليه.
(٤) . كذا تبعًا لـ «رفع الإشكال» (ص ٣٢) وما بين الحاصرتين منه، والذي ذكره الدارقطني في «العلل» (١٠٠٩) ــ وإليه عزا العلائي هذا الطريق ــ أنه: «عبد الملك بن أبي بكر الحَزْمي» دون ذكر «محمد» بين عبد الملك وأبي بكر. والذي يظهر ــ والله أعلم ــ أن «عبد الملك بن أبي بكر» هذا والذي قبله راوٍ واحد، لا اثنان كما حسبه العلائي وتبعه عليه المؤلف، وذلك أنه ورد غير منسوب في سند الحديث، فاختلف في نسبه وتعيينه؛ فسمّاه المزي في «تهذيب الكمال» (٥/ ٩٤) ضمن شيوخ عتبة بن أبي حكيم: «عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام»، وسمّاه الدارقطني: «عبد الملك بن أبي بكر الحَزْمي» أي ابن محمد بن عمرو بن حزم، فتوهّم العلائي أنهما شخصان اثنان. والله أعلم.