الحجة الرابعة: أنه لو كانت تنعقد الصلاةُ بغير هذا اللفظ لترَكَه النبيُّ ﷺ ولو في عمره مرةً واحدة لبيان الجواز، فحيث لم ينقل أحدٌ عنه قطُّ أنه عَدَل عنه حتى فارق الدنيا، دلَّ على أن الصلاة لا تنعقد بغيره.
الحجة الخامسة: أنه لو قام غيره مَقامه لجاز أن يقوم غير كلمات الأذان مَقامها، وأن يقول المؤذن: "كبّرت الله"، أو "الله الكبير"، أو "الله أعظم" ونحوه. بل تتعيّن لفظة "الله أكبر" في الصلاة أعظمَ من تعيّنها في الأذان؛ لأن كلّ مسلم لا بدّ له منها، وأما الأذان فقد يكون في المِصْر مؤذّن واحد أو اثنان، والأمر بالتكبير في الصلاة آكد من الأمر بالتكبير في الأذان.
وأما حجَّة أصحاب الشافعي على ترادُف: "الله أكبر"، و"الله الأكبر"، فجوابها: أنهما ليسا بمترادفين، فإن الألف واللام اشتملت على زيادة في اللفظ ونقص في المعنى.
(١) عزاه بهذا اللفظ لأبي داود في "المغني": (٢/ ١٢٧)، وفي "الشرح الكبير": (٣/ ٤٠٨)، وابنُ مفلح في "المبدع": (١/ ٣٧٥). وأشار ابن عبد الهادي إلى وهم هذا العزو في "تنقيح التحقيق": (٢/ ١٢٥). وذكر ابن الجوزي في "التحقيق": (١/ ٣٢٩) هذا اللفظ وعزاه إلى بعض الفقهاء من الحنابلة. أقول: وقد ذكره عدد من الفقهاء في كتبهم من الشافعية والحنفية أيضًا. قال ابن الملقن في "البدر المنير": (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٩): هذا الحديث لا نعرفه كذلك في كتاب حديث! ثم ذكر عزو ابن الجوزي السالف وقال: والحديث من هذا الوجه في "سنن أبي داود" (٨٥٧)، والنسائي (١٠٥٢) لكن بلفظ "كبر" بدل "الله أكبر". ثم ذكر عددًا من روايات الحديث ليس فيها هذا اللفظ "الله أكبر" بل ألفاظ "كبّر" "فكبّر" "يكبّر". وانظر "التلخيص الحبير": (١/ ٢٣١).
وبيانه: أن "أَفْعَل" التفضيل إذا نُكِّر وأُطْلِق تضمَّن من عموم المفضّل عليه وإطلاقه١ ما لم يتضمنه المعرَّف.
فإذا قيل: "الله أكبر" كان معناه: من كلّ شيء. وأما إذا قيل: "الله الأكبر" فإنه يتقيَّد معناه ويتخصَّص، ولا يُستعمل هذا إلا في مُفضّل معيّن على مفضّل٢ عليه معيّن، كما إذا قيل: من أفضل، أزيد أم عمرو؟ فيقول: زيد الأفضل. هذا هو المعروف في اللغة والاستعمال. فإن أداة "مِن"٣ لا يمكن أن يؤتى بها مع "اللام"٤. وأما بدون "اللام" فيؤتى بالأداة، فإذا حذف المفضّل عليه مع الأداة أفاد التعميم، وهذا لا يتأتى مع اللام.
وهذا المعنى مطلوب من القائل: "الله أكبر" بدليل ما روى الترمذيُّ من حديث عَديّ بن حاتم الطويل: أن النبي ﷺ قال له: "ما يُفِرُّك؟ أيُفِرُّك٥ أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ "٦. وهذا مطابقٌ لقوله تعالى:
(١) في ط. المعارف: "عموم الفضل وإطلاقه عليه" خلاف الأصل.
(٢) "معين على مفضل" سقط من ط. الفقي.
(٣) في ط. الفقي: "التعريف".
(٤) في ط. الفقي: "من" بدل "اللام" في كلا الموضعين.
(٥) ط. الفقي: "يضرك .. " في الموضعين، ورسمها في الأصل محتمل، وهو خطأ، والمثبت هو الذي في كتب المؤلف "زاد المعاد": (٣/ ٤٥٠، ٥٨١)، و"هداية الحيارى" (ص ٦٧) وفي مصادر الحديث. ومعنى "يفرّك" أي: يحملك على الفرار.
(٦) أخرجه الترمذي (٢٩٥٣)، وأحمد (١٩٣٨١)، وابن حبان (٧٢٠٦). قال الترمذي: "حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب". وفي سنده عبّاد بن حُبَيش، قال الذهبي: لا يُعرف، وذكره ابن حبان في "الثقات": (٥/ ١٤٢). وسماك في حفظه مقال، ولبعض ألفاظ الحديث شواهد.