محمد أم من أولئك المشيخة؟ فإن كان تلك الأحاديثُ أحاديثَه عن أولئك المشيخة ولم يكن سمعه من محمد فهو ضعيف.
وأما رواية إسماعيل بن عياش له عن محمد بن أبي حميد، فإسماعيل بن عياش ضعيف في الحجازيين، ومحمد بن أبي حميد متفق على ضعفه ونكارة حديثه، وكأن ابن ساج سرق هذه الرواية عن محمد بن أبي حميد، والغلط في زيادة محمد بن المنكدر منه. والله أعلم.
وأما رواية أبي داود الطيالسي، فمِن رواية عبد الله بن عمران الأصبهاني عنه، قال ابن حبان١: كان يُغرب. وخالفه يونس بن حبيب٢، فرواه عن أبي داود عن ورقاء بن عمر٣ عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت، موافقة لرواية الجماعة.
فإن قيل٤: فالحديث بعد هذا كله مداره على عمر بن [ق ١٣٦] ثابت الأنصاري، لم يروه عن أبي أيوب غيره، فهو شاذ، فلا يحتج به!
قيل: ليس هذا من الشاذ الذي لا يحتج به، وكثير من أحاديث الصحيحين بهذه المثابة، كحديث: «الأعمال بالنيات» وتفرُّدِ علقمة بن
(١) . في «الثقات» كما في «تهذيب الكمال» (٤/ ٢٢٨)، وليس في مطبوعته (٨/ ٣٥٩) قوله هذا بسبب بياض في نسخته الخطية المعتمدة.
(٢) . هو راوي «مسند الطيالسي»، والحديث فيه برقم (٥٩٥)، وأخرجه من طريقه أيضًا أبو نعيم في «مجلس من أماليه» (ص ٢٤). وتابع يونس محمدُ بن يحيى الذهلي عند الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (٢/ ٩٣).
(٣) . في الأصل: «عمرو»، وقد سبق على الصواب في الاعتراض.
(٤) . انظر: «رفع الإشكال» (ص ٦٠ - ٦٥).
وقاص به، وتفردِ محمد بن إبراهيم التيمي به عنه، وتفردِ يحيى بن سعيد به عن التيمي.
وقال يونس بن عبد الأعلى١: قال لي الشافعي: ليس الشاذ أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ: أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس.
وأيضًا فليس هذا الأصل مما تفرد به عمر بن ثابت، لرواية ثوبان وغيره له عن النبي ﷺ. وقد ترجم ابن حبان على ذلك في «صحيحه» فقال بعد إخراجه حديث عمر بن ثابت٢: «ذكر الخبر المُدحِض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به عمر بن ثابت عن أبي أيوب»، وذَكَر حديث ثوبان من رواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن يحيى بن الحارث الذِّماري عن أبي أسماء الرَّحَبي عن ثوبان. ورواه ابن ماجه٣.
ولكن لهذا الحديث علة، وهي أن أسد بن موسى رواه عن الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن يحيى بن الحارث به٤. والوليد مدلس، وقد عنعنه، فلعله وصله مرةً، ودلَّسه أخرى.
(١) . رواه عنه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ١٧٨ - ١٧٩) ــ ومن طريقه الخطيب في «الكفاية» (١/ ٣٣٩) ــ، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص ٣٧٥).
(٢) . برقم (٣٦٣٤).
(٣) . برقم (١٧١٥).
(٤) . أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢/ ١٠٢)، وثور بن يزيد ثقة ثبت، فالحديث صحيح على كل حال، وله طرق أخرى عن يحيى بن الحارث، سيأتي ذكرها.