تهذيب السنن

وقد رواه النسائي١ من حديث يحيى بن حمزة ومحمد بن شعيب بن شابور، كلاهما عن يحيى بن الحارث الذماري به. ورواه أحمد في «المسند»٢ عن أبي اليمان عن إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن الحارث به، وقد صحح الحديث أبو حاتم الرازي، وإسماعيل إذا روى عن الشاميين فحديثه صحيح، وهذا إسناد شامي.

الاعتراض الثالث: أن هذا الحديث غير معمول به عند أهل العلم. قال مالك في «الموطأ»٣: ولم أر أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السلف. وإن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء، لو رأوا في ذلك رخصةً عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك. تم كلامه.

قال الحافظ أبو محمد المنذري٤: والذي خشي منه مالك قد وقع بالعجم، فصاروا يتركون المسحِّرين على عادتهم والفوانيس٥ وشعائر رمضان إلى آخر الستة أيامٍ٦، فحينئذ يُظهرون شعائر العيد.

ويؤيد هذا ما رواه أبو داود في قصة الرجل الذي دخل المسجد وصلى

  1. (١) . برقم (٢٨٧٣، ٢٨٧٤).
  2. (٢) . برقم (٢٢٤١٢).
  3. (٣) . برقم (٨٦٤)، وقد سبق.
  4. (٤) . نقله القرافي في «الفروق»، الفرق الخامس والمائة (٢/ ٣٤٢) عن المنذري مشافهةً.
  5. (٥) . في الطبعتين: «النواقيس»، وهي غير محرّرة في الأصل، والمثبت من «الفروق» ط. الرسالة.
  6. (٦) . كذا في الأصل، وذكر أبو حيان في «ارتشاف الضرَب» (٢/ ٧٦٣) أن بعض الكُتّاب يجيز مثلَه. ولفظ «الفروق»: «الستة الأيام».
144

الفرض ثم قام ليتنفل، فقام إليه عمر وقال له: اجلس حتى تفصل١ بين فرضك ونفلك، فبهذا هلك من كان قبلنا، فقال له رسول الله ﷺ: «أصاب الله بك يا ابن الخطاب»٢.

قالوا: فمقصود عمر: أن اتصال الفرض بالنفل إذا حصل معه التمادي وطال الأمد ظنَّ الجهال أن ذلك من الفرض، كما قد شاع عند كثير من العامة أنّ صبحَ يومِ الجمعة خمسَ سجَداتٍ ولا بد، فإذا تركوا قراءة ﴿الم ١ تَنْزِيلُ﴾ [السجدة] قرؤوا غيرها من سور السجدات.

بل نُهِي عن الصوم بعد انتصاف شعبان حمايةً لرمضان أن يخلط به صوم غيره، فكيف بما يضاف إليه بعده؟!

فيقال: الكلام هنا في مقامين:

أحدهما: في صوم ستة من شوال من حيث الجملة.

والثاني: في وصلها به.

أما الأول فقولكم: إن الحديث غير معمول به، باطل. وكون أهل المدينة في زمن مالك لم يعملوا به لا يوجب ترك الأمة كلهم له، وقد عمل به أحمد والشافعي وابن المبارك وغيرهم.

  1. (١) . في الأصل وط. المعارف: «تجلس»، والتصحيح من «الفروق».
  2. (٢) . أخرجه أبو داود (١٠٠٧)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢٨٤) و«الأوسط» (٢٠٨٨)، والحاكم (١/ ٢٧٠). وفي إسناده المنهال بن خليفة، ضعيف الحديث، ولكن تابعه شعبة عند أحمد (٢٣١٢١) بلفظ: «أحسنَ ابنُ الخطّاب». وانظر: «الصحيحة» للألباني (٣١٧٣).
145

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي