الفرض ثم قام ليتنفل، فقام إليه عمر وقال له: اجلس حتى تفصل١ بين فرضك ونفلك، فبهذا هلك من كان قبلنا، فقال له رسول الله ﷺ: «أصاب الله بك يا ابن الخطاب»٢.
قالوا: فمقصود عمر: أن اتصال الفرض بالنفل إذا حصل معه التمادي وطال الأمد ظنَّ الجهال أن ذلك من الفرض، كما قد شاع عند كثير من العامة أنّ صبحَ يومِ الجمعة خمسَ سجَداتٍ ولا بد، فإذا تركوا قراءة ﴿الم ١ تَنْزِيلُ﴾[السجدة] قرؤوا غيرها من سور السجدات.
بل نُهِي عن الصوم بعد انتصاف شعبان حمايةً لرمضان أن يخلط به صوم غيره، فكيف بما يضاف إليه بعده؟!
فيقال: الكلام هنا في مقامين:
أحدهما: في صوم ستة من شوال من حيث الجملة.
والثاني: في وصلها به.
أما الأول فقولكم: إن الحديث غير معمول به، باطل. وكون أهل المدينة في زمن مالك لم يعملوا به لا يوجب ترك الأمة كلهم له، وقد عمل به أحمد والشافعي وابن المبارك وغيرهم.
(١) . في الأصل وط. المعارف: «تجلس»، والتصحيح من «الفروق».
(٢) . أخرجه أبو داود (١٠٠٧)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢٨٤) و«الأوسط» (٢٠٨٨)، والحاكم (١/ ٢٧٠). وفي إسناده المنهال بن خليفة، ضعيف الحديث، ولكن تابعه شعبة عند أحمد (٢٣١٢١) بلفظ: «أحسنَ ابنُ الخطّاب». وانظر: «الصحيحة» للألباني (٣١٧٣).
قال ابن عبد البر١: لم يبلغ مالكًا حديث أبي أيوب، على أنه حديث مدني، والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه، والذي كرهه مالك قد بينه وأوضحه: خشية أن يضاف إلى فرض رمضان، وأن يسبق ذلك إلى العامة، وكان متحفّظًا كثير الاحتياط للدين. وأما صوم الستة الأيام على طلب الفضل، وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان، فإن مالكًا لا يكره ذلك إن شاء الله، لأن الصوم جُنّة وفضله معلوم: يدع طعامه وشرابه لله، وهو عمل برٍّ وخير، وقد قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[الحج: ٧٧]. ومالك لا يجهل شيئًا من هذا، ولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك، وخشي أن يُعَدَّ من فرائض الصيام مضافًا إلى رمضان.
وما أظن مالكًا جهل الحديث، لأنه حديث مدني انفرد به عمر بن ثابت. وأظن عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يعتمد عليه، وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عمر بن ثابت. وقيل: إنه روى عنه، ولو لا علمه به ما أنكر بعض شيوخه إذا لم يثق بحفظه لبعض ما يرويه٢. وقد يمكن أن يكون جهل الحديث، ولو عَلِمه لقال به. هذا كلامه.
(١) . «الاستذكار» (٣/ ٣٨٠)، والمؤلف صادر عن «رفع الإشكال» (ص ٧٧ - ٧٩)، وقد حصل للعلائي اضطراب وتقديم وتأخير في نقل الفقرة الأخيرة من كلام ابن عبد البر، مما اختل به السياق والمعنى، وسيأتي التنبيه عليه.
(٢) . من قوله: «وأظن عمر بن ثابت ...» إلى هنا وقع الاضطراب في النقل، وإليك نص العبارة من «الاستذكار»: «وقد قيل: إنه روى عنه مالك، ولولا علمه به ما أنكره، وأظن الشيخ عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يُعتمد عليه، وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عن بعض شيوخه إذا لم يثق بحفظه لبعض ما رواه».