تهذيب السنن

قال ابن عبد البر١: لم يبلغ مالكًا حديث أبي أيوب، على أنه حديث مدني، والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه، والذي كرهه مالك قد بينه وأوضحه: خشية أن يضاف إلى فرض رمضان، وأن يسبق ذلك إلى العامة، وكان متحفّظًا كثير الاحتياط للدين. وأما صوم الستة الأيام على طلب الفضل، وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان، فإن مالكًا لا يكره ذلك إن شاء الله، لأن الصوم جُنّة وفضله معلوم: يدع طعامه وشرابه لله، وهو عمل برٍّ وخير، وقد قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. ومالك لا يجهل شيئًا من هذا، ولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك، وخشي أن يُعَدَّ من فرائض الصيام مضافًا إلى رمضان.

وما أظن مالكًا جهل الحديث، لأنه حديث مدني انفرد به عمر بن ثابت. وأظن عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يعتمد عليه، وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عمر بن ثابت. وقيل: إنه روى عنه، ولو لا علمه به ما أنكر بعض شيوخه إذا لم يثق بحفظه لبعض ما يرويه٢. وقد يمكن أن يكون جهل الحديث، ولو عَلِمه لقال به. هذا كلامه.

  1. (١) . «الاستذكار» (٣/ ٣٨٠)، والمؤلف صادر عن «رفع الإشكال» (ص ٧٧ - ٧٩)، وقد حصل للعلائي اضطراب وتقديم وتأخير في نقل الفقرة الأخيرة من كلام ابن عبد البر، مما اختل به السياق والمعنى، وسيأتي التنبيه عليه.
  2. (٢) . من قوله: «وأظن عمر بن ثابت ...» إلى هنا وقع الاضطراب في النقل، وإليك نص العبارة من «الاستذكار»: «وقد قيل: إنه روى عنه مالك، ولولا علمه به ما أنكره، وأظن الشيخ عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يُعتمد عليه، وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عن بعض شيوخه إذا لم يثق بحفظه لبعض ما رواه».
146

وقال عياض١: أخذ بهذا الحديث جماعة من العلماء، وروي عن مالك وغيره كراهية ذلك، ولعل مالكًا إنما كره صومها على ما قال في «الموطأ» أن٢ يعتقد من يصومه أنه فرض، وأما على الوجه الذي أراده النبي ﷺ فجائز.

وأما المقام الثاني، فلا ريب أنه متى كان في وصلها برمضان مثل هذا المحذور كُرِه أشدَّ الكراهة، وحمي الفرض أن يُخلَط به ما ليس منه، ويصومها في وسط الشهر أو آخره. وما ذكروه من المحذور فدفعه والتحرُّز منه واجب، وهو من قواعد الإسلام.

فإن قيل: الزيادة في الصوم إنما يخاف منها لو لم يفصل بين ذلك بفطر يوم العيد، فأما وقد تخلل فطر العيد فلا محذور. وهذا جواب أبي حامد [ق ١٣٧] الإسفراييني٣ وغيره.

قيل: فطر العيد لا يؤثر عند الجهلة في دفع هذه المفسدة، لأنه لما كان واجبًا فقد يرونه كفطر يوم الحيض لا يقطع التتابع واتصال الصوم، فبكل حال ينبغي تجنب صومها عقب رمضان إذا لم تؤمن هذه المفسدة. والله أعلم.

فصل٤

فإن قيل: لم قال: «ست» والأيام مذكرة؟ فالأصل أن يقال: «ستة» كما

  1. (١) . «إكمال المعلم» (٤/ ١٣٩).
  2. (٢) . في الأصل وط. المعارف: «أو»، والتصويب من «إكمال المعلم» و«رفع الإشكال».
  3. (٣) . نقله العلائي عنه في «رفع الإشكال» (ص ٨٢).
  4. (٤) . اعتمد المؤلف على «الفروق» للقرافي (٢/ ٣٣٩ وما بعده) في خمسة الأسئلة الأولى من الستة التي ذكرها في هذا الفصل، مع اختصار وتحرير وإضافة.
147

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي