تهذيب السنن

وقال عياض١: أخذ بهذا الحديث جماعة من العلماء، وروي عن مالك وغيره كراهية ذلك، ولعل مالكًا إنما كره صومها على ما قال في «الموطأ» أن٢ يعتقد من يصومه أنه فرض، وأما على الوجه الذي أراده النبي ﷺ فجائز.

وأما المقام الثاني، فلا ريب أنه متى كان في وصلها برمضان مثل هذا المحذور كُرِه أشدَّ الكراهة، وحمي الفرض أن يُخلَط به ما ليس منه، ويصومها في وسط الشهر أو آخره. وما ذكروه من المحذور فدفعه والتحرُّز منه واجب، وهو من قواعد الإسلام.

فإن قيل: الزيادة في الصوم إنما يخاف منها لو لم يفصل بين ذلك بفطر يوم العيد، فأما وقد تخلل فطر العيد فلا محذور. وهذا جواب أبي حامد [ق ١٣٧] الإسفراييني٣ وغيره.

قيل: فطر العيد لا يؤثر عند الجهلة في دفع هذه المفسدة، لأنه لما كان واجبًا فقد يرونه كفطر يوم الحيض لا يقطع التتابع واتصال الصوم، فبكل حال ينبغي تجنب صومها عقب رمضان إذا لم تؤمن هذه المفسدة. والله أعلم.

فصل٤

فإن قيل: لم قال: «ست» والأيام مذكرة؟ فالأصل أن يقال: «ستة» كما

  1. (١) . «إكمال المعلم» (٤/ ١٣٩).
  2. (٢) . في الأصل وط. المعارف: «أو»، والتصويب من «إكمال المعلم» و«رفع الإشكال».
  3. (٣) . نقله العلائي عنه في «رفع الإشكال» (ص ٨٢).
  4. (٤) . اعتمد المؤلف على «الفروق» للقرافي (٢/ ٣٣٩ وما بعده) في خمسة الأسئلة الأولى من الستة التي ذكرها في هذا الفصل، مع اختصار وتحرير وإضافة.
147

قال [تعالى]: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧].

وهل لشوال بخصوصه مزية على غيره في ذلك، أم لا؟

وهل للست خصوصية على ما دونها وأكثر منها، أم لا؟

وكيف يُشَبَّه من فعل ذلك بصيام الدهر، فيكون العمل اليسير مُشْبِهًا للعمل الكثير من جنسه؟ ومعلوم أن من عمل عملًا وعمل الآخر بقدره مرّتين لا يستويان، فكيف إذا عمل بقدره عشر مرات؟

وهل فَرْقٌ بين قوله: «فكأنما صام الدهر» وبين أن يقال: فكأنه قد صام الدهر؟

وهل يدل الحديث على استحباب صيام الدهر، لأجل التشبيه، أم لا؟

فالجواب: أما قوله «ست» ولم يقل «ستة»، فالعرب إذا عَدَّت الليالي والأيام فإنها تغلِّب الليالي إذا لم تُضِف العدد إلى الأيام، فمتى أرادوا عدّ الأيام عدّوا الليالي ومرادهم الأيام. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. قال الزمخشري١: ولو قيل «وعشرةً» لكان لحنًا.

وقال تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣]، فهذه أيام بدليل قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤]، فدل الكلام الأخير على أن المعدود الأول أيام.

  1. (١) . «الكشاف» (١/ ٢٨٢)، والمؤلف صادر عن «الفروق» (٢/ ٣٤١).
148

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي