تهذيب السنن

قال [تعالى]: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧].

وهل لشوال بخصوصه مزية على غيره في ذلك، أم لا؟

وهل للست خصوصية على ما دونها وأكثر منها، أم لا؟

وكيف يُشَبَّه من فعل ذلك بصيام الدهر، فيكون العمل اليسير مُشْبِهًا للعمل الكثير من جنسه؟ ومعلوم أن من عمل عملًا وعمل الآخر بقدره مرّتين لا يستويان، فكيف إذا عمل بقدره عشر مرات؟

وهل فَرْقٌ بين قوله: «فكأنما صام الدهر» وبين أن يقال: فكأنه قد صام الدهر؟

وهل يدل الحديث على استحباب صيام الدهر، لأجل التشبيه، أم لا؟

فالجواب: أما قوله «ست» ولم يقل «ستة»، فالعرب إذا عَدَّت الليالي والأيام فإنها تغلِّب الليالي إذا لم تُضِف العدد إلى الأيام، فمتى أرادوا عدّ الأيام عدّوا الليالي ومرادهم الأيام. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. قال الزمخشري١: ولو قيل «وعشرةً» لكان لحنًا.

وقال تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣]، فهذه أيام بدليل قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤]، فدل الكلام الأخير على أن المعدود الأول أيام.

  1. (١) . «الكشاف» (١/ ٢٨٢)، والمؤلف صادر عن «الفروق» (٢/ ٣٤١).
148

وأما قوله تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧] فلا تغليب هناك، لذكر النوعين وإضافة كل عدد إلى نوعه.

وأما السؤال الثاني، وهو اختصاص شوال، ففيه طريقان:

أحدهما: أن المراد به الرفق بالمكلَّف، لأنه حديث عهد بالصوم فيكون أسهلَ عليه. ففي ذكر شوال تنبيه على أن صومها في غيره أفضل، هذا الذي حكاه القرافي١ عن المالكية، وهو غريب عجيب.

الطريق الثاني: أن المقصود به المبادرة بالعمل وانتهاز الفرصة خشيةَ الفوات. قال تعالى ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣].

وهذا تعليل طائفة من الشافعية وغيرهم، قالوا: ولا يلزم أن يُعطى هذا الفضل لمن صامها في غيره، لفوات مصلحة المبادرة والمسارعةِ المحبوبة لله. قالوا: وظاهر الحديث مع هذا القول، ومن ساعده الظاهرُ فقوله أولى. ولا ريب أنه لا يمكن إلغاء خصوصية شوال، وإلا لم يكن لذكره فائدة.

وقال آخرون: لمّا كان صوم رمضان لا بدّ أن يقع فيه نوع تقصير وتفريط وهضمٍ من حقه وواجبه= ندب إلى صوم ستة أيام من شوال جابرةً له ومسدّدةً لخللٍ عساه أن يقع فيه. فجرت هذه الأيام مجرى سنن الصلوات التي تُفعل٢ بعدها جابرةً ومكملة. وعلى هذا فتظهر فائدة اختصاصها بشوال. والله أعلم.

  1. (١) . «الفروق» (٢/ ٣٤١)، وأيضًا «الذخيرة» (٢/ ٥٣٠).
  2. (٢) . ط. الفقي: «يتنفّل بها»، وط. المعارف: «تنفّل»، والمثبت أشبه برسم الأصل.
149

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي