وبيانه: أن "أَفْعَل" التفضيل إذا نُكِّر وأُطْلِق تضمَّن من عموم المفضّل عليه وإطلاقه١ ما لم يتضمنه المعرَّف.
فإذا قيل: "الله أكبر" كان معناه: من كلّ شيء. وأما إذا قيل: "الله الأكبر" فإنه يتقيَّد معناه ويتخصَّص، ولا يُستعمل هذا إلا في مُفضّل معيّن على مفضّل٢ عليه معيّن، كما إذا قيل: من أفضل، أزيد أم عمرو؟ فيقول: زيد الأفضل. هذا هو المعروف في اللغة والاستعمال. فإن أداة "مِن"٣ لا يمكن أن يؤتى بها مع "اللام"٤. وأما بدون "اللام" فيؤتى بالأداة، فإذا حذف المفضّل عليه مع الأداة أفاد التعميم، وهذا لا يتأتى مع اللام.
وهذا المعنى مطلوب من القائل: "الله أكبر" بدليل ما روى الترمذيُّ من حديث عَديّ بن حاتم الطويل: أن النبي ﷺ قال له: "ما يُفِرُّك؟ أيُفِرُّك٥ أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ "٦. وهذا مطابقٌ لقوله تعالى:
(١) في ط. المعارف: "عموم الفضل وإطلاقه عليه" خلاف الأصل.
(٢) "معين على مفضل" سقط من ط. الفقي.
(٣) في ط. الفقي: "التعريف".
(٤) في ط. الفقي: "من" بدل "اللام" في كلا الموضعين.
(٥) ط. الفقي: "يضرك .. " في الموضعين، ورسمها في الأصل محتمل، وهو خطأ، والمثبت هو الذي في كتب المؤلف "زاد المعاد": (٣/ ٤٥٠، ٥٨١)، و"هداية الحيارى" (ص ٦٧) وفي مصادر الحديث. ومعنى "يفرّك" أي: يحملك على الفرار.
(٦) أخرجه الترمذي (٢٩٥٣)، وأحمد (١٩٣٨١)، وابن حبان (٧٢٠٦). قال الترمذي: "حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب". وفي سنده عبّاد بن حُبَيش، قال الذهبي: لا يُعرف، وذكره ابن حبان في "الثقات": (٥/ ١٤٢). وسماك في حفظه مقال، ولبعض ألفاظ الحديث شواهد.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾[الأنعام: ١٩]، وهذا يقتضي جوابًا: لا شيء أكبر شهادةً من الله، فالله أكبر شهادةً مِن كلّ شيء. كما أن قوله لعَديّ: "هل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ " يقتضي جوابَ١: لا شيء أكبر من الله، فالله أكبر من كلِّ شيء.
وفي افتتاح الصلاة بهذا اللفظ ــ المقصود منه: استحضار هذا المعنى، وتصورّه ــ سرٌّ عظيم يعرفه أهل الحضور، المصلّون بقلوبهم وأبدانهم. فإن العبد إذا وقف بين يدي الله ﷿، وقد علم أنه لا شيءَ أكبر منه، وتحقَّق قلبُه ذلك، وأُشْرِبه سرّه= استحيى من الله، ومنعه وقاره وكبرياؤه أن يَشغَل قلبه بغيره. وما لم يستحضر هذا المعنى، فهو واقف بين يديه بجسمه، وقلبُه يهيم في أودية الوساوس والخَطَرات، وبالله المستعان٢.
فلو كان الله أكبر من كل شيء في قلبِ هذا لما اشتغل عنه وصَرَف كُلّيةَ قلبِه إلى غيره، كما أن الواقف بين يدي المَلِك المخلوق لمَّا لم يكن في قلبه أعظم منه لم يَشغَل قلبَه بغيره ولم يصرفه عنه٣.
فصل
الحكم الثالث: قوله "وتحليلها التسليم". والكلام في إفادته الحصر كالكلام في الجملتين قبله.
والكلام٤[في هذا اللفظ ودلالته] على شيئين: أحدهما: أنه لا ينصرف
(١) كذا في الأصل، وهو مضاف والجملة بعده مضاف إليه، وفي المطبوع: "جوابًا".
(٢) ينظر في الكلام على الخشوع "كتاب الصلاة" (ص ٣٣٩)، و"مسألة السماع" (ص ٨٦)، و"شفاء العليل": (٣/ ١١٥٥) جميعها للمؤلف.
(٣) ط. الفقي زيادة "صارف" والمعنى ظاهر بدونها.
(٤) بعده بياض بمقدار أربع كلمات وقدرناها بما بين المعكوفين، وقوله: "شيئين" مهمل فيحتمل "سببين". وأثبتها في ط. الفقي: "والكلام في التسليم على قسمين".