تهذيب السنن

الثاني: أن النبي ﷺ سئل عمن صام الدهر، فقال: «لا صام ولا أفطر»١، وفي لفظ: «لا صام من صام الأبد»٢. فإذا كان هذا حال صيام الدهر فكيف يكون أفضلَ الصيام؟

الثالث: أن النبي ﷺ ثبت عنه في «الصحيحين»٣ أنه قال: «أفضل الصيام صيام داود». وفي لفظ: «لا أفضل من صوم داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا»٤.

فهذا النص الصحيح الصريح الرافع لكل إشكال يُبَيِّن أن صوم يوم وفطر يوم أفضلُ من سرد الصوم، مع أنه أكثر عملًا. وهذا يدل على أنه مكروه، لأنه إذا كان الفطر أفضل منه لم يمكن أن يقال بإباحته واستواء طرفيه، فإن العبادة لا تكون مستوية٥ الطرفين، ولا يمكن أن يقال: هو أفضل من الفطر، لشهادة النص له بالإبطال، فتعين أن يكون مرجوحًا، وهذا بيِّن لكل منصف. ولله الحمد.

٣٦ - كيف كان النبي ﷺ يصوم

٢٥٢/ ٢٣٢٤ - عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يُفطِر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ

  1. (١) . أخرجه مسلم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة ﵁.
  2. (٢) . أخرجه البخاري (١٩٧٧) ومسلم (١١٥٩/ ١٨٦) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
  3. (٣) . البخاري (١٩٧٦، ٥٠٥٢)، ومسلم (١١٥٩/ ١٩٢).
  4. (٤) . أخرجه البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩/ ١٨١) بلفظ: «لا أفضل من ذلك».
  5. (٥) . في الأصل: «مستوفية»، والمثبت من الطبعتين.
153

استكمل صيام شهر قطُّ إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثرَ صيامًا منه في شعبان».

وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي١.

قال ابن القيم ﵀: وفي صومه شعبان أكثر من غيره ثلاث معان٢:

أحدها: أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما شغل عن الصيام أشهرًا، فجمع ذلك في شعبان، ليدركه قبل صيام الفرض.

الثاني: أنه فعل ذلك تعظيمًا لرمضان، وهذا الصوم يشبه [سنة]٣ فرض الصلاة قبلها تعظيمًا لحقها.

الثالث: أنه شهر تُرفَع فيه الأعمال، فأحبَّ ﷺ أن يرفع عمله وهو صائم٤.

٣٧ - في صوم الاثنين والخميس

٢٥٣/ ٢٣٢٦ - عن مولى قدامة بن مَظعون، عن مولى أسامة بن زيد أنه انطلق مع أسامة إلى وادي القُرى في طلب مالٍ له، فكان يصوم الاثنين والخميس، فقال له مولاه: لِمَ تصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وأنت شيخ كبير؟ فقال: إن نبي الله ﷺ كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وسُئل عن ذلك؟ فقال: «إنَّ

  1. (١) . أبو داود (٢٤٣٤)، والبخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦)، والنسائي (٢١٧٧).
  2. (٢) . كذا في الأصل، والوجه: «ثلاثة معان»، وهذه المعاني قد ذكرها المنذري باختصار، فهذّبها المؤلف على طريقته في التحرير والترتيب. انظر: «المختصر» (٣/ ٣١٨).
  3. (٣) . ضبّب ناسخ الأصل على كلمة «فرض» وكتب في الهامش: «لعله: سنة».
  4. (٤) . روي ذلك من حديث أسامة بن زيد ﵄. أخرجه أحمد (٢١٧٥٣)، والنسائي (٢٣٥٧)، وحسَّنه المنذري (كما سيأتي)، واختاره الضياء (٤/ ١٠٨، ١٠٩). وانظر: «الصحيحة» للألباني (١٨٩٨).
154

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي