يمسك بقية يومه. وهذا صريح في الوجوب، فإن صوم التطوع لا يُتصوّر فيه إمساك بعد الفطر.
الثالثة: ما في «الصحيحين» أيضًا عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية ــ فذكرت الحديث إلى أن قالت ــ: «فلما فرض رمضان كان هو الفريضة» الحديث، وهذه اللفظة في سياق البيهقي١. فقولها: «كان هو الفريضة» دل على أن عاشوراء كان قبله واجبًا، وأن رمضان صار هو الفرض لا عاشوراء، وإلا لم يكن لقولها: «كان هو الفريضة» معنى.
قال الموجبون: وأما حديث معاوية فمعناه: ليس مكتوبًا عليكم الآن، أو لم يكتبه بعد نزول رمضان، أو إنما نفى فيه الكَتْب، وهو الفرض المؤكد الثابت بالقرآن، ووجوبُ عاشوراء إنما كان بالسنة، ولا يلزم من نفي كَتْبه وفرضه نفيُ كونه واجبًا، فإن المكتوب أخص من مطلق الواجب. وهذا جارٍ على أصل من يفرق بين الفرض والواجب. وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه٢ على أنه لا يقال: «فرض» إلا لما ثبت بالقرآن، وأما ما ثبت بالسنة فإنه يسميه واجبًا.
(١) . «السنن الكبرى» (٤/ ٢٨٨). وهذه اللفظة رواها مالك في «الموطأ» (٨٢٢) عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة. ومن طريق مالك رواها أبو داود (٢٤٤٢)، ثم من طريقه البيهقي. وروى البخاري (٤٥٠٤) نحوها من طريق آخر عن هشام به، ولفظه: «فلما نزل رمضان كان رمضانُ الفريضةَ».
(٢) . انظر: «العدّة في أصول الفقه» للقاضي (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧)، و«المسودة» لآل تيمية (١/ ١٦٤).
قالوا: وأما تصحيحه بنية من النهار، فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن هذا حجة لمن يقول بجواز صوم الفرض بنية من النهار. قالوا: وهو عمدتنا في المسألة. فليس لكم أن تنفوا وجوبه بناءً على بطلان هذا القول، فإنه دور ممتنع ومصادرة باطلة. وهذا جواب أصحاب أبي حنيفة.
قال منازعوهم: إذا قلتم: إنه كان واجبًا، فقد ثبت نسخه اتفاقًا، وأنتم إنما جوزتم الصوم المفروض بنية من النهار بطريق الاستنباط منه، وأن ذلك من متعلقاته ولوازمه، والحكم إذا نُسِخ نسخت لوازمه ومتعلقاته ومفهومه وما ثبت بالقياس عليه، لأنها فرع في الثبوت على ثبوت الأصل، فإذا ارتفع الأصل امتنع بقاء الفرع بعده.
قال الحنفية: الحديث دل على شيئين: أحدهما: إجزاء الصوم الواجب بنية من النهار، والثاني: تعيين الصوم الواجب بأنه يوم عاشوراء، فنُسِخ تعيين الواجب برمضان، وبقي الحكم الآخر لا معارض له، فلا يصح دعوى نسخه، إذ الناسخ إنما هو لتعيين الصوم وإبداله بغيره، لا لإجزائه بنية من النهار.
الجواب الثاني: أن ذلك الصوم إنما صح بنية من النهار، لأن الوجوب إنما ثبت في حق المكلفين من النهار حين أمر النبي ﷺ المنادي أن ينادي بالأمر بصومه، فحينئذ تجدّد١ الوجوب فقارنت النيةُ وقتَ وجوبه، وقبل هذا لم يكن واجبًا، فلم تكن نية التبييت واجبة.