قالوا: وهذا نظيره: الكافر يسلم في أثناء النهار أو الصبيُّ يبلغ، فإنه يمسك من حين ثبت١ الوجوب في ذمته ولا قضاءَ عليه، كما قاله مالك وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين عنه٢.
ونظيره أيضًا: إذا أنشأ الصوم تطوعًا بنية من النهار ثم نذر إتمامه، فإنه تجزئه نيّتُه٣ عند مقارنة الوجوب.
قالوا: ولا يَرِد علينا: إذا قامت البينة برؤية هلال رمضان في أثناء النهار، حيث يلزم القضاء لمن لم يكن قد بيّت الصوم، لأن الوجوب هنا كان ثابتًا، وإنما خفي على بعض الناس، وتساوي المكلفين في العلم بالوجوب لا يُشترط، بخلاف ابتداء الأمر بصيام عاشوراء، فإنه حينئذ ابتُدِئ وجوبه.
فالفرق إنما هو بين ابتداء الوجوب والشروع [ق ١٤١] في الإمساك عقبه، وبين خفاء ما تقدّم وجوبُه ثم تجدّد سبب العلم بوجوبه. فإن صح هذا الفرق، وإلا فالصواب التسوية بين الصورتين، وعدم وجوب القضاء. والله أعلم.
وذكر الشافعي هذه الأحاديث في كتاب «مختلف الحديث»٤، ثم قال: وليس من هذه الأحاديث شيء مختلف عندنا ــ والله أعلم ــ إلا شيئًا ذكره في حديث عائشة، وهو مما وصفتُ من الأحاديث التي يأتي بها
(١) . في الطبعتين: «يثبت»، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل.
(٤) . (١٠/ ٧٨ وما بعدها) ضمن «الأم» ط. دار الوفاء.
المحدِّث ببعض دون بعض، فحديث ابن أبي ذئب عن عائشة: «كان رسول الله ﷺ يصوم عاشوراء، ويأمرنا بصيامه» لو انفرد كان ظاهره أن عاشوراء كان فرضًا. فذكر هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ صامه في الجاهلية، وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان كان الفريضةَ، وترك عاشوراء.
قال الشافعي: لا يحتمل قول عائشة «ترك عاشوراء» معنًى يصحّ إلا تَرْكَ إيجاب صومه، إذ علمنا أن كتاب الله بيَّن لهم أن شهر رمضان المفروضُ صومه، وأبان لهم ذلك رسول الله ﷺ؛ أو تَرْكَ استحباب صومه١، وهو أولى الأمور عندنا، لأن حديث ابن عمر ومعاوية عن رسول الله ﷺ: «إن الله لم يكتب صوم يوم عاشوراء على الناس».
ولعل عائشة ــ إن كانت ذهبت إليه: أنه كان واجبًا ثم نسخ ــ قالته لأنه يحتمل أن تكون رأت النبي ﷺ لمّا صامه وأمر بصومه كان صومه فرضًا، ثم نسَخَه تَرْكُ أمرِه من شاء أن يدع صومه.
ولا أحسبها ذهبت إلى هذا، ولا ذهبت إلا إلى المذهب الأول، لأن الأول هو الموافق للقرآن: أن الله فرض الصوم فأبان أنه شهر رمضان، ودل حديث ابن عمر ومعاوية عن النبي ﷺ[على] مثل معنى القرآن، بأن لا فرض في الصوم إلا رمضان، وكذلك قول ابن عباس: «ما علمت رسول الله ﷺ صام يوما يتحرَّى فضله على الأيام إلا هذا اليوم، يعني يوم عاشوراء»، كأنه يذهب بتحرِّي فضله: في التطوع بصومه. آخر كلامه.
(١) . كذا في الأصل وبعض الأصول الخطية لـ «مختلف الحديث» (١٠/ ٨١ - الهامش)، وفي طبعة بولاق: «وترَك إيجابَ صومه»، وهو أوفق للسياق، فليحرّر.