تهذيب السنن

المحدِّث ببعض دون بعض، فحديث ابن أبي ذئب عن عائشة: «كان رسول الله ﷺ يصوم عاشوراء، ويأمرنا بصيامه» لو انفرد كان ظاهره أن عاشوراء كان فرضًا. فذكر هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ صامه في الجاهلية، وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان كان الفريضةَ، وترك عاشوراء.

قال الشافعي: لا يحتمل قول عائشة «ترك عاشوراء» معنًى يصحّ إلا تَرْكَ إيجاب صومه، إذ علمنا أن كتاب الله بيَّن لهم أن شهر رمضان المفروضُ صومه، وأبان لهم ذلك رسول الله ﷺ؛ أو تَرْكَ استحباب صومه١، وهو أولى الأمور عندنا، لأن حديث ابن عمر ومعاوية عن رسول الله ﷺ: «إن الله لم يكتب صوم يوم عاشوراء على الناس».

ولعل عائشة ــ إن كانت ذهبت إليه: أنه كان واجبًا ثم نسخ ــ قالته لأنه يحتمل أن تكون رأت النبي ﷺ لمّا صامه وأمر بصومه كان صومه فرضًا، ثم نسَخَه تَرْكُ أمرِه من شاء أن يدع صومه.

ولا أحسبها ذهبت إلى هذا، ولا ذهبت إلا إلى المذهب الأول، لأن الأول هو الموافق للقرآن: أن الله فرض الصوم فأبان أنه شهر رمضان، ودل حديث ابن عمر ومعاوية عن النبي ﷺ[على] مثل معنى القرآن، بأن لا فرض في الصوم إلا رمضان، وكذلك قول ابن عباس: «ما علمت رسول الله ﷺ صام يوما يتحرَّى فضله على الأيام إلا هذا اليوم، يعني يوم عاشوراء»، كأنه يذهب بتحرِّي فضله: في التطوع بصومه. آخر كلامه.

  1. (١) . كذا في الأصل وبعض الأصول الخطية لـ «مختلف الحديث» (١٠/ ٨١ - الهامش)، وفي طبعة بولاق: «وترَك إيجابَ صومه»، وهو أوفق للسياق، فليحرّر.
169

قالوا: وأما حجتكم الثالثة بأنه لم يأمرهم بالقضاء، فجوابه من وجهين:

أحدهما: أنا قد ذكرنا حديث أبي داود: «أنهم أُمِروا بالقضاء»، وقد اختلف في هذا الحديث، فإن كان ثابتًا فهو دليل على الوجوب.

وإن لم يكن ثابتًا، فإنما لم يؤمروا بالقضاء لعدم تقدُّم الوجوب١، إذ الوجوب إنما ثبت عند أمره، فاكتفى منهم بإمساك ما بقي، كالصبي يبلغ، والكافر يسلم، والله أعلم.

٤٢ - باب صوم الثلاث من كل شهر

٢٦١/ ٢٣٣٩ - عن ابن مِلْحان القَيسيِّ عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصومَ البِيضَ: ثلاثَ عَشْرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، قال: وقال: «هُنَّ كهيئة الدَّهْر».

وأخرجه النسائي وابن ماجه٢.

واختلف في ابن ملحان هذا، فقيل: هو قتادة بن ملحان القيسي، وله صحبة، والحديث في مسنده.

وقيل: هو ملحان بن شِبل، والد عبد الملك بن ملحان، والحديث من

  1. (١) . هذا وما يأتي من تعليله هو الوجه الثاني في الجواب عن الحجة الثالثة.
  2. (٢) . أبو داود (٢٤٤٩)، والنسائي (٢٤٣٢)، وابن ماجه (١٧٠٧) من رواية همّام بن يحيى العَوذي، عن أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن قتادة بن ملحان (ولم يُسمّه أبو داود) عن أبيه.
    وأخرجه أحمد (١٧٥١٣)، وابن ماجه (١٧٠٧)، وابن حبّان (٣٦٥١) من رواية شعبة، عن أنس، عن عبد الملك بن المنهال عن أبيه. قال ابن ماجه: أخطأ شعبة وأصاب همّام.
170

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي