حديث أبي حُميد "ويختمُ صلاتَه بالتسليم"١ فنِسْبةُ التسليم إلى آخرها كنِسْبة تكبيرة الإحرام إلى أولها. فقول: "الله أكبر" أول أجزائها، وقول: "السلام عليكم" آخر أجزائها.
ثم لو سُلِّم أنه ليس جزءًا منها، فإنه تحليلٌ لها لا يخرَج منها إلا به، وذلك لا ينفي وجوبه، كتحلّلات الحجّ، فكونه تحليلًا لا يمنع الإيجاب.
فإن قيل: ولا يقتضيه٢. قيل: إذا ثبت انحصار التحليل في التسليم٣ تعيّن الإتيانُ به. وقد تقدَّم بيانُ الحصر من وجهين.
فصل
وقد دلَّ هذا الحديث على أن كلّ ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم فمفتاحه الطهور، فيدخل في هذا الوتر بركعة، خلافًا لبعضهم٤. واحتجَّ بقوله ﷺ: "صلاةُ الليل والنهار مَثْنى مَثْنى"٥.
(١) سيأتي تخريجه.
(٢) أي كما أن كونه تحليلًا لا يمنع الإيجاب، فإنه لا يقتضي الإيجاب أيضًا.
(٣) في المطبوعتين: "السلام" خلاف الأصل.
(٤) في هامش الأصل تعليق: أن المقصود هو ابن حزم. وانظر كلامه في "المحلى": (١/ ٨٠)، (٥/ ١١١).
(٥) أخرجه أحمد (٤٧٩١)، وأبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي (١٦٦٦)، وابن ماجه (١٣٢٢). وغيرهم من حديث ابن عمر. قال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ. وقال الترمذي: "اختلف أصحاب شعبة في حديث ابن عمر، فرفعه بعضهم وأوقفه بعضهم، وروي عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ نحو هذا، والصحيح ما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "صلاة الليل مثنى مثنى". وروى الثقات عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ، ولم يذكروا فيه صلاة النهار" اهـ.
وجوابه: أن كثيرًا من الحفَّاظ طعن في هذه الزيادة، ورأوها غير محفوظة.
وأيضًا فإن الوتر تحريمه التكبير وتحليله التسليم، فيجب أن يكون مفتاحه الطهور. وأيضًا فالمغرب وتر، لا مثنى، والطهارة شرط فيها. وأيضًا فالنبي ﷺ سمَّى الوترَ صلاة بقوله: "فإذا خِفْتَ الصبحَ فصلّ ركعةً تُوتر لك ما قد صلَّيتَ"١. وأيضًا فإجماع الأمة مِن الصحابة ومَن بعدهم على إطلاق اسم الصلاة على الوتر. فهذا القول في غاية الفساد.
ويدخل في الحديث أيضًا صلاة الجنازة؛ لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم. وهذا قول أصحاب رسول الله ﷺ لا يُعرف عنهم فيه خلاف، وقولُ الأئمة الأربعة وجمهور الأمة، خلافًا لبعض التابعين٢. وقد ثبت عن النبي ﷺ تسميتها صلاةً، وكذلك الصحابة. وحَمَلَة الشرع كلّهم يسمّونها صلاة.
وقول النبي ﷺ: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" هو فَصْل الخطاب في هذه المسائل وغيرها، طردًا وعكسًا، فكلُّ ما كان تحريمه التكبير، وتحليله التسليم فلا بدَّ من افتتاحه بالطهارة.
فإن قيل: فما تقولون في الطواف بالبيت، فإنه يُفْتَتح بالطهارة، ولا
(١) أخرجه البخاري (٤٧٢، ٤٧٣)، ومسلم (٧٤٩، ٧٥١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) جاء ذلك عن الشعبي بإسناد صحيح أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١١٥٩٨، ١١٥٩٩).