وذهب الشافعي وأحمد في الرواية المشهورة عنه١ أن الصوم فيه مستحب غير واجب. قال ابن المنذر٢: وهو مروي عن علي وابن مسعود.
واحتج هؤلاء بما في «الصحيحين»٣ عن عمر أنه سأل النبي ﷺ، فقال: إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية، فقال له النبي ﷺ: «أَوفِ بنذرك». قالوا: والليل ليس بمحل الصيام، وقد جوّز الاعتكاف فيه.
واحتجوا أيضًا بما رواه الحاكم في «مستدركه»٤ من حديث أبي سهيل عن طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه»، وقال: صحيح الإسناد.
واحتجوا أيضًا بما رواه مسلم في «صحيحه»٥ عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه، وإنه أمر بخبائه فضُرِب ــ أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ــ فأمرت
(٢) . «الإشراف» (٣/ ١٥٩). وقول علي وابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة (٩٧١٣)، وفي سنده لين.
(٣) . البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦).
(٤) . (١/ ٤٣٩) ــ وعنه البيهقي (٤/ ٣١٨) ــ، ورواه أيضًا الدارقطني (٢٣٥٥) وأعله بالوقف. وقال البيهقي وابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٣٦٨)، و«المحرر»: الصحيح أنه موقوف على ابن عباس، ورفعه وهم.
(٥) . رقم (١١٧٢).
زينب بخبائها فضرب، وأمر غيرُها من أزواج النبي ﷺ بخبائه فضرب، فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر فإذا الأخبية، فقال: «آلبرَّ تُرِدْن؟» فأمر بخبائه فقوِّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في١ العشر الأول من شوال»، ويوم العيد داخل في جملة العشر، وليس محلًّا للصوم.
واحتجوا أيضًا بأن الاعتكاف عبادة مستقلة بنفسها، فلم يكن الصوم شرطًا فيها كسائر العبادات من الحج والصلاة والجهاد والرباط؛ وبأنه لزوم مكان معيَّن لطاعة الله تعالى، فلم يكن الصوم شرطًا فيه كالرباط؛ وبأنه قربة بنفسه، فلا يشترط فيه الصوم كالحج.
قال الموجبون: الكلام معكم في مقامين، أحدهما: ذكر ضعف أدلتكم، والثاني: ذكر الأدلة على اشتراط الصوم.
فأما المقام الأول، فنقول: لا دلالة في شيء مما ذكرتم. أما حديث ابن عمر عن أبيه فقد اتُّفِق على صحته، لكن اختُلِف في لفظه كثيرًا، فرواه مسدد وزهير ويعقوب الدَّورَقي٢
عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فقالوا: «ليلة». وكذلك رواه ابن المبارك وسليمان بن
(١) . «في» ساقط من الأصل، واستدرك من (هـ).
(٢) . رواية مسدد عند البخاري (٢٠٣٢)، ورواية زُهَير عند مسلم (١٦٥٦/ ٢٧)، ورواية يعقوب عند النسائي في «الكبرى» (٣٣٣٦). وتابع هؤلاء عن يحيى القطان بذكر «ليلة»: أحمد بن حنبل في «المسند» (٤٧٠٥)، وإسحاق بن منصور عند الترمذي (١٥٣٩)، ومحمد بن بشار عند ابن خزيمة (٢٢٣٩).