والظاهر ــ والله أعلم ــ أن المسؤول عن هذه الآية الذي أشار إليه ابن مسعود هو رسول الله ﷺ، وحذفه لظهور العلم به، وأن الوهم لا يذهب إلى سواه. وقد كان ابن مسعود يشتد عليه أن يقول: «قال رسول الله ﷺ»، وكان إذا سمّاه أُرعِد وتغيّر لونُه، وكان كثيرًا ما يقول ألفاظ الحديث موقوفةً، وإذا رفع منها شيئًا تحرّى فيه، وقال: «أو شِبه هذا، أو قريبًا من هذا»١. فكأنه ــ والله أعلم ــ جرى على عادته في هذا الحديث، وخاف أن لا يؤدِّيه بلفظه، فلم يذكر رسول الله ﷺ؛ والصحابة إنما كانوا يسألون عن معاني القرآن رسولَ الله ﷺ. والله أعلم٢.
٤ - باب في الرجل يغزو وأبواه كارهان
٢٧٦/ ٢٤١٩ - وعن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا هاجر إلى رسول الله ﷺ من اليمن، فقال: «هل لك أحدٌ باليمن؟» فقال: أبوايَ، فقال: «أذِنَا لَكَ؟» قال: لا، قال: «ارجع إليهما فاستأذِنْهما، فإن أذِنا لك فجاهِدْ، وإلا فبِرَّهما»٣.
قال ابن القيم ﵀: أخرجه الحاكم في «المستدرك»٤، وليس مما يستدرك مثله، فإن فيه درّاجًا، وهو ضعيف.
(١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٢٦٧٤٦)، وابن ماجه (٢٣)، و«العلل» للدارقطني (٣١٥٩).
(٢) «والله أعلم» من (هـ).
(٣) «سنن أبي داود» (٢٥٣٠) من طريق درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. وهذا إسناد ضعيف، وقد سبق الكلام عليه. وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عند البخاري (٣٠٠٤) ومسلم (٢٥٤٩).
(٤) (٢/ ١٠٣ - ١٠٤).
٥ - باب النهي عن لعن البهيمة
٢٧٧/ ٢٤٥١ - عن عمران بن حصين: أن النبي ﷺ كان في سفرٍ، فسمع لَعْنَةً، فقال: «ما هذه؟» قالوا: هذه فلانةُ لعنت راحلتَها، فقال النبي ﷺ: «ضَعُوا عنها فإنها ملعونة»، فوضعوا عنها، قال عمران: فكأني أنظر إليها ناقة وَرْقاء.
وأخرجه مسلم والنسائي١.
قيل: هذا مختصٌّ بتلك الناقة، لأنّا لا نعلم لحوق اللعنة لمن لعن ناقته أو غيرها، ورسول الله ﷺ علم ذلك فأمر بالحطّ عنها وأن لا تصحبه. وقيل: اللعن: البُعد والترك، فلمّا دعت عليها باللعنة وكانت غيرَ مكلَّفةٍ استُعمل فيها معنى اللعنة من الإبعاد والترك. والصواب أنه فعل ذلك عقوبةً لها، لئلا تعود إلى مثل قولها وتلعنَ ما لا يستحق اللعن٢.
قال ابن القيم ﵀: والعقوبة في المال لمصلحةٍ مشروعةٌ بالاتفاق، ولكن اختلفوا: هل نُسِخت بعد مشروعيتها؟
ولم يأت على نسخها حجة٣.
وقد حكى أبو عبد الله بن حامد٤ عن بعض أصحاب أحمد أنه مَن لعن شيئًا من متاعه زال ملكه عنه. والله تعالى أعلم.
(١) أبو داود (٢٥٦١)، ومسلم (٢٥٩٥)، والنسائي في «الكبرى» (٨٧٦٥).
(٢) هذه الفقرة نقل المجرّد آخرها من قوله: «والصواب ...» ونسبها إلى المنذري، وأثبتناها بتمامها من (هـ)، وفيها تصرّف وزيادة من المؤلف على كلام المنذري الذي في «المختصر» المخطوط (النسخة البريطانية)، وهو ساقط من المطبوع. وأهم زيادة للمؤلف قوله: «والصواب»، وكان في «المختصر»: «وقد يحتمل».
(٣) وقد سبق الكلام على المسألة في كتاب الزكاة (١/ ٢٦٤ وما بعدها).