قال ابن القيم ﵀: وقد روى البيهقي١ من حديث يزيد بن هارون، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدُكم على راعٍ فلينادِ: يا راعيَ الإبل ثلاثًا، فإن أجابه وإلا فلْيَحلبْ٢ وليشرب ولا يحملنَّ. وإذا أتى أحدكم على حائطٍ فلينادِ ثلاثًا: يا صاحب الحائط، فإن أجابه وإلا فليأكلْ ولا يحملنّ». وهذا الإسناد على شرط مسلم. وإنما أعله البيهقي بأن سعيدًا الجُريري تفرد به، وكان قد اختلط في آخر عمره، وسماع يزيد بن هارون منه في حال اختلاطه. وأَعلَّ حديث سمرة بالاختلاف في سماع الحسن منه.
وهاتان العلتان ــ بعد صحتهما ــ لا تُخرج٣ الحديثين عن درجة الحسن المحتجِّ به في الأحكام عند جمهور الأمة.
وقد ذهب إلى القول بهذين الحديثين الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه٤. وقال الشافعي٥: وقد قيل: مَن مرّ بحائط فليأكل ولا يتخذْ خُبْنة،
(١) «السنن الكبرى» (٩/ ٣٥٩ - ٣٦٠). وقد أخرجه أيضًا من طريق يزيد بن هارون: أحمد (١١١٥٩)، وابن حبان (٥٢٨١)، والحاكم (٤/ ١٣٢) وصححه على شرط مسلم. ويزيد بن هارون روى عن الجريري بعد الاختلاط، ولكن تابعه من روى عنه قبل الاختلاط، كما سيأتي.
(٢) (هـ): «فليحتلب»، وهو كذلك في بعض نسخ «السنن البيهقي» كما في هامشه.
(٣) كذا في الأصل و(هـ)، وفي ط. الفقي: «يخرجان»، والوجه: «تُخرجان».
(٤) انظر: «مسائل أحمد» برواية صالح (١/ ٣٢١، ٢/ ١٣٦) وبرواية أبي داود (ص ٣٢٥)، و«الإنصاف» (٢٧/ ٢٥٤ - ٢٥٧).
(٥) «الأم» (٣/ ٦٣٨).
وروي فيه حديث لو كان ثبت عندنا لم نخالفه، والكتاب والحديث الثابت: أنه لا يجوز أكلُ مال أحدٍ إلا بإذنه.
والحديث الذي أشار إليه الشافعي١: رواه الترمذي٢ من حديث يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذ خُبْنة». قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم.
حدثنا٣ قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: «من أصاب منه من ذي حاجةٍ غيرَ متَّخذٍ خُبنةً فلا شيء عليه». قال: هذا حديث حسن.
فاختلف الفقهاء في القول بموجَب هذه الأحاديث. فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، وأنه يسوغ الأكلُ من الثمار، وشربُ اللبن لضرورةٍ وغيرِها،
(١) بقوله المتقدم: «فيه حديث لو كان ثبت عندنا»، وأما «الحديث الثابت» الذي أشار إليه الشافعي فهو حديث ابن عمر: «لا يحلبنَّ أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه» وسيأتي قريبًا. وقد ذكر الشافعي الحديثين بلفظهما في «الأم» (٣/ ٦٣٥). واختلط الأمر على محقق ط. المعارف فخطّأ ابن القيم في جعل الحديث الآتي هو مراد الشافعي.
(٢) رقم (١٢٨٧)، ولا يصحّ، فيه يحيى بن سليم وهو ضعيف إذا روى عن عبيد الله بن عمر، وقد تفرد بهذا الحديث عنه. وقال أبو زرعة: «هذا حديث منكر». «العلل» لابن أبي حاتم (٢٤٩٥). وأنكره أيضًا ابن معين والبخاري، كما سيأتي في كلام المؤلف لاحقًا.
(٣) القائل هو الترمذي في «جامعه» (١٢٨٩)، وإسناده «حسن» كما قال عَقِبة. وابن عجلان فيه لين، لكنه توبع، تابعه ابن إسحاق وعبد الرحمن بن الحارث بن عياش عند أحمد (٦٦٨٣، ٦٧٤٦)، والوليد بن كثير عند البيهقي (٩/ ٣٥٩).