تهذيب السنن

حرام»، فإن التحريم إنما يتناول١ ما لم يقع فيه الإذن من الشارع ولا المالك، وأما ما أَذِن فيه منه فليس بحرام.

ولهذا يُنتزع منه الشِّقْص المشفوع بغير رضاه، لإذن الشارع. ويُنتزع منه ما تدعو إليه ضرورة من طعام أو شراب، إما مجّانًا على أحد القولين، أو بالمعاوضة على القول الآخر. ويُكرَه على إخراج ماله لأداء ما عليه من الحقوق، وغير ذلك. وهذه الصور وأمثالها ليست مستثناةً من هذه النصوص، بل النصوص لم تتناولها، ولا أريدت بها قطعًا.

وأما حديث ابن عمر: «لا يحلبنَّ أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه»، فحديث صحيح متفق على صحته.

وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في جواز احتلاب الماشية للشرب ــ ولا خلاف في مذهبه أنه لا يجوز احتلابها لغيره وهو كالخبنة في الثمار ــ فمنعه في إحدى الروايتين أخذًا بحديث ابن عمر، وجوّزه في الأخرى أخذًا بحديث سمرة٢.

ومن رجّح المنع قال: حديث ابن عمر أصح، فإن حديث سمرة من رواية الحسن عنه، وهو مختلف في سماعه منه. وأما حديث ابن عمر، فمِن رواية الليث وغيره عن نافع عنه، ولا ريب في صحته.

قالوا: والفرق بينه وبين الثمرة أن اللَّبَن مخزون في الضرع، كخَزْن الأموال في خزائنها، ولهذا شبَّهها النبي ﷺ بذلك، وأخبر أن استخراجها

  1. (١) في الأصل: «تناول»، والمثبت من (هـ).
  2. (٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٣٦)، و«الإنصاف» (٢٧/ ٢٥٩ - ٢٦١).
228

من الضروع كاستخراج الأموال من الخزائن بكسرها. وهذا بخلاف الثمرة، فإنها ظاهرة بادية في الشجرة غير مخزونة، فإذا صارت إلى الخِزانة حَرُم الأكل منها إلا بإذن المالك.

قالوا: وأيضًا، فالشهوة تشتد إلى الثمار عند طِيبها، لأن العيون تراها والنفوس شديدة الميل إليها. ولهذا جوز النبي ﷺ فيها المُزابنة في خمسة أوسقٍ أو دونها في العَرايا لمَّا شَكَوا إليه شهوتهم لها، وأنه لا ثمن بأيديهم١، بخلاف اللبن فإنه لا يُرى ولا تشتد الشهوة له، كاشتدادها إلى الثمار.

قالوا: وأيضًا، فالثمار لا صنع فيها للآدمي بحال، بل هي خلق الله سبحانه، لم تتولد من كسب آدميٍّ ولا فِعله، بخلاف اللبن فإنه يتولد من عين مال المالك، وهو العَلَف. وإن كانت سائمة، فلا بد من قيامه عليها ورَعْيه إياها، ومراعاته لها كل وقت. وهذا وإن كان في الثمار، إلا أنه بالنسبة إلى الماشية قليل جدًّا، فإنه لا يحتاج أن يقوم على الشجر كل يوم، فمؤنتها أقل من مؤنة الماشية بكثير. فهي بالمباحات أشبه من ألبان المواشي، إلا أن اختصاص أربابها بأرضها وشجرها أخرجها عن حكم المباحات المشتركة التي يسوغ أكلُها ونقلها، فعَمِلَ الشَّبَهُ في الأكل الذي لا يُجحِف بالمالك دون النقل المضرِّ له.

فهذه الفروق إن صحت، بطل إلحاق الثمار بها في المنع، وكان المصير

  1. (١) ترخيص النبي ﷺ في العرايا ثابت في البخاري (٢١٨٩ - ٢١٩١) ومسلم (١٥٣٩ - ١٥٤٢) من حديث جماعة من الصحابة ﵃، ولكن اختلف في تفسير العرايا وعلة ترخيصها، وما ذكره المؤلف هنا هو أرجح القولين في ذلك. انظر كلام الترمذي عقب الحديث (١٣٠٢)، و«الأموال» لأبي عبيد (٢/ ١٥٣ وما بعدها).
229

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي