تهذيب السنن

وهذا صريح في أن الآكل لا شيء عليه، وإنما يجب الضمان على من اتخذ خبنة. ولهذا جعلهما قسمين.

واللفظ الثاني قوله: «ومن أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيءٍ منه فعليه غرامة مِثلَيه والعقوبة»١. وهذا صريح في أن الآكل منه لحاجة لا شيء عليه، وأن الضمان إنما يجب على المُخْرِج منه غيرَ ما أكله. والمنازعون لا يفرِّقون، بل يوجبون الضمان على الآكل والمُخْرج معًا، ولا يفرّقون فيه بين المحتاج وغيره. وهذا جمع بين ما فرق الرسول بينه، والنص صريح في إبطاله. فالحديث حجة على اللفظين معًا.

فإن قيل: فالمجوزون لا يخصّون الإباحة بحال الحاجة، بل يجوزون الأكل للمحتاج وغيره، فقد جمعوا بين ما فرَّق الشارع بينه.

قيل: الحاجة المسوِّغة للأكل أعمُّ من الضرورة، والحكم معلَّق بها، ولا ذكر للضرورة فيه، وإنما الجواز دائر مع الحاجة، وهو نظير تعليق بيع العرايا بالحاجة، فإنها الحاجة إلى أكل الرطب، ولا تُعتبَر الضرورة اتفاقًا، فكذلك هنا. وعلى هذا، فاللفظ قد خرج مخرج الغالب، وما كان كذلك فلا مفهوم له اتفاقًا.

ومما يدل على الجواز أيضًا: حديث رافع بن عمرو الذي ذكره أبو داود في الباب٢، وقد صححه الترمذي. ولا يصح حمله على المضطر لثلاثة

  1. (١) هذا لفظ أبي داود.
  2. (٢) في الأصل: «الكتاب»، والتصحيح من (هـ)، والحديث برقم (٢٦٢٢) عن رافع بن عمرٍو الغفاري قال: كنتُ غلامًا أرمي نخل الأنصار فأتي بي النبيُّ ﷺ فقال: «يا غلامُ، لم ترمي النخل؟» قال: آكل. قال: «فلا ترمِ النخلَ، وكُلْ مما يسقط في أسفلها» ثم مسح رأسه فقال: «اللهم أشبِع بَطْنه». ورواه الترمذي (١٢٨٨) من طريق آخر وقال: «حسن صحيح غريب». وفي كلا الإسنادين راويان غفاريان تُجهل حالهما، ولكن وروده من طريقين مختلفين رواة كليهما من عشيرة صاحب القصة يدل على أن للقصة أصلًا. والله أعلم.
231

أوجه:

أحدها: أن النبي ﷺ أطلق له الأكل، ولم يقل: كُلْ إذا اضطُرِرتَ، واتْرُك عند زوال الضرورة، كما قال تعالى في الميتة، وكما قال النبي ﷺ للذي سأله عن ركوب هَدْيه: «ارْكَبْها بالمعروف إذا أُلْجِئتَ إليها حتى تجد ظَهرًا»١.

الثاني: أنه لو كانت الإباحة إنما هي لأجل الضرورة فقط لثبت البدل في ذمته، كسائر الأموال، والنبي ﷺ لم يأمره ببدل، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.

الثالث: أن لفظ الحديث في كتاب أبي داود ليس فيه للضرورة ذكر، فإنه قال: «يا غلام لِمَ ترمي النخلَ؟» قال: آكل، فقال: «لا ترم النخل، وكل ما يسقط». فأخبره أنه يرميها للأكل لا للحمل، فأباح له أكلَ المتساقط، ومنعه من الرمي لما فيه من كثرة الأذى.

ورواه الترمذي، ولفظه: قال: «يا رافع لِمَ ترمي نخلهم؟» قال: قلت: يا رسول الله الجوع، قال: «لا ترمِ، وكل ما وقع، أشبعك الله». فهذا اللفظ ليس معارِضًا للأول. وكلاهما يدل على إباحة الأكل، وأن الإباحة عند الجوع أولى.

ومما يدل على الجواز أيضًا: حديث عبّاد بن شُرَحبِيل، وقد ذكره

  1. (١) أخرجه مسلم (١٣٢٤) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
232

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي