تهذيب السنن

أبو داود في الباب١، وهو صحيح الإسناد، والاستدلال به في غاية الظهور. وقد تكلف بعض الناس رَدَّه بأنه لم يحدِّث به غيرُ٢ أبي بِشر جعفر بن إياس. وهذا تكلّف بارد، فإن أبا بشر هذا من الحفاظ الثقات الذين لم تُغْمَز قناتهم.

وتكلَّف آخرون ما هو أبعد من هذا فقالوا: الحديث رواه ابن ماجه والنسائي ولفظه: «فأمره النبي ﷺ،فرد إليه ثوبه، وأمر له بوَسْقٍ من طعام»٣. قالوا: فالمأمور له بالوَسْق هو الأنصاري صاحب الحائط، وكان هذا تعويضًا من النبي ﷺ عن سنبله.

وهذا تَناكُدٌ بيِّن، فإن المأمور له بالوسق إنما هو آكل السنبل عبّاد بن شرحبيل، والسياق لا يدل إلا عليه، والنبي ﷺ رد إليه ثوبه وأطعمه وسقًا. ولفظ أبي داود صريح في ذلك، فإنه قال: «فرد عليَّ ثوبي وأعطاني وَسْقًا».

  1. (١) برقم (٢٦٢٠) عن أبي بِشر (جعفر بن إياس) عن عبّاد بن شرحبيل قال: أصابتني سنة فدخلتُ حائطًا من حيطان المدينة ففركتُ سنبلًا فأكلتُ وحملتُ في ثوبي، فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي، فأتيتُ رسول الله ﷺ فقال له: «ما علَّمتَ إذ كان جاهلًا، ولا أطعمتَ إذ كان جائعًا ــ أو قال: ساغِبًا ــ»، وأمره فردّ عليَّ ثوبي وأعطاني وَسْقًا أو نصف وسقٍ من طعام. وأخرجه أحمد (١٧٥٢١)، والنسائي (٥٤٠٩)، وابن ماجه (٢٢٩٨)، والحاكم (٤/ ١٣٣) وقال: صحيح الإسناد.
  2. (٢) في الأصل: «عن» تصحيف ما أثبته، ثم وجدته على الصواب في (هـ) ولله الحمد، وفي هامش الأصل بخط مغاير: «إلا»، وأشير إليه بخط منعطف بعد «أبي بشر»، فصارت العبارة كما ط. الفقي: «عن أبي بشر إلا جعفر بن إياس»، وهو خطأ محض فإن أبا بشر هو جعفر. وفي ط. المعارف: «إلا عن أبي بشر جعفر بن إياس».
  3. (٣) هذا لفظ ابن ماجه، ولفظ النسائي: «وأمر لي».
233

ومما يدل على الجواز أيضًا: ما رواه الترمذي١: حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن سُلَيم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من دخل حائطًا فليأكل، ولا يتخذ خبنة».

وهذا الحديث وإن كان معلولًا، كما٢ قال الترمذي في كتاب «العلل الكبير»٣ له: سألتُ محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: يحيى بن سليم يروي أحاديث عن عبيد الله يَهِم فيها. تم كلامه، وقال يحيى بن معين٤: هذا الحديث غلط، وقال أبو حاتم الرازي٥ في٦ يحيى بن سليم هذا: محله الصدق وليس بالحافظ ولا يحتج به، وقال النسائي٧: ليس به بأس وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر٨ = ولكن لو حاكَمْنا منازعينا من الفقهاء إلى أصولهم، لكان هذا الحديث حجّةً على قولهم، لأن يحيى بن سليم من رجال «الصحيحين»، وهو لو انفرد بلفظةٍ أو رفعٍ أو اتصالٍ خالفه غيرُه فيه لحكموا له ولم يلتفتوا إلى من خالفه، [ق ١٥١] ولو كانوا٩ أوثق وأكثر، فكيف إذا روى ما لم يخالَف فيه، بل له أصول ونظائر؟

  1. (١) برقم (١٢٨٧)، وقد سبق تخريجه.
  2. (٢) «كما» سقطت من الأصل، واستدركت من (هـ).
  3. (٣) (ص ١٩٢).
  4. (٤) أسنده عنه البيهقي (٩/ ٣٥٩).
  5. (٥) «الجرح والتعديل» (٩/ ١٥٦).
  6. (٦) «في» سقطت من الأصل، واستدركت من (هـ).
  7. (٧) انظر: «تهذيب الكمال» (٨/ ٤٨).
  8. (٨) في الأصل وطبعة الفقي: «عمرو»، خطأ.
  9. (٩) في الطبعتين: «كان» خلافًا للأصل.
234

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي