ومما يدل على الجواز أيضًا: ما رواه الترمذي١: حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن سُلَيم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من دخل حائطًا فليأكل، ولا يتخذ خبنة».
وهذا الحديث وإن كان معلولًا، كما٢ قال الترمذي في كتاب «العلل الكبير»٣ له: سألتُ محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: يحيى بن سليم يروي أحاديث عن عبيد الله يَهِم فيها. تم كلامه، وقال يحيى بن معين٤: هذا الحديث غلط، وقال أبو حاتم الرازي٥ في٦ يحيى بن سليم هذا: محله الصدق وليس بالحافظ ولا يحتج به، وقال النسائي٧: ليس به بأس وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر٨ = ولكن لو حاكَمْنا منازعينا من الفقهاء إلى أصولهم، لكان هذا الحديث حجّةً على قولهم، لأن يحيى بن سليم من رجال «الصحيحين»، وهو لو انفرد بلفظةٍ أو رفعٍ أو اتصالٍ خالفه غيرُه فيه لحكموا له ولم يلتفتوا إلى من خالفه، [ق ١٥١] ولو كانوا٩ أوثق وأكثر، فكيف إذا روى ما لم يخالَف فيه، بل له أصول ونظائر؟
(١) برقم (١٢٨٧)، وقد سبق تخريجه.
(٢) «كما» سقطت من الأصل، واستدركت من (هـ).
(٣) (ص ١٩٢).
(٤) أسنده عنه البيهقي (٩/ ٣٥٩).
(٥) «الجرح والتعديل» (٩/ ١٥٦).
(٦) «في» سقطت من الأصل، واستدركت من (هـ).
(٧) انظر: «تهذيب الكمال» (٨/ ٤٨).
(٨) في الأصل وطبعة الفقي: «عمرو»، خطأ.
(٩) في الطبعتين: «كان» خلافًا للأصل.
ولكنا لا نرضى بهذه الطريقة، فالحديث عندنا معلول، وإنما سقناه اعتبارًا لا اعتمادًا. والله أعلم.
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي رواه أبو عبيد القاسم في «الغريب»١ عن ابن جريج عن عطاء قال: «رخّص رسول الله ﷺ للجائع المضطر إذا مرّ بالحائط أن يأكل منه ولا يتخذ خبنة»، وهذا التقييد يبين المراد من سائر الأحاديث؟
قيل: هذا من المراسيل التي لا يحتج بها، فضلًا عن أن يعارَض بها المسندات الصحيحة، ثم ولو كان حجة فهو لا يخالف ما ذكرنا من الأحاديث، بل منطوقه يوافقها٢، ومفهومه يدل على أن غير المضطر يخالف المضطر في ذلك، وهذا حق، والمفهوم لا عموم له، بل فيه تفصيل.
ومما يدل على الجواز: حديث أبي سعيد وقد تقدّم، وإسناده على شرط مسلم، ورواه ابن حبان في «صحيحه». وأما تعليل البيهقي له بأن سعيدًا الجُرَيري تفرد به، وكان قد اختلط في آخر عمره، والذي رواه عنه يزيد بن هارون، وإنما روى عنه بعد٣ الاختلاط= فجوابه من وجهين.
أحدهما: أن حماد بن سلمة قد تابع يزيد بن هارون على روايته٤. ذكره البيهقي٥ أيضًا. وسماع حماد منه قديم.