ولكنا لا نرضى بهذه الطريقة، فالحديث عندنا معلول، وإنما سقناه اعتبارًا لا اعتمادًا. والله أعلم.
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي رواه أبو عبيد القاسم في «الغريب»١ عن ابن جريج عن عطاء قال: «رخّص رسول الله ﷺ للجائع المضطر إذا مرّ بالحائط أن يأكل منه ولا يتخذ خبنة»، وهذا التقييد يبين المراد من سائر الأحاديث؟
قيل: هذا من المراسيل التي لا يحتج بها، فضلًا عن أن يعارَض بها المسندات الصحيحة، ثم ولو كان حجة فهو لا يخالف ما ذكرنا من الأحاديث، بل منطوقه يوافقها٢، ومفهومه يدل على أن غير المضطر يخالف المضطر في ذلك، وهذا حق، والمفهوم لا عموم له، بل فيه تفصيل.
ومما يدل على الجواز: حديث أبي سعيد وقد تقدّم، وإسناده على شرط مسلم، ورواه ابن حبان في «صحيحه». وأما تعليل البيهقي له بأن سعيدًا الجُرَيري تفرد به، وكان قد اختلط في آخر عمره، والذي رواه عنه يزيد بن هارون، وإنما روى عنه بعد٣ الاختلاط= فجوابه من وجهين.
أحدهما: أن حماد بن سلمة قد تابع يزيد بن هارون على روايته٤. ذكره البيهقي٥ أيضًا. وسماع حماد منه قديم.
(١) (٤/ ١٦٠)، ومن طريقه البيهقي (٩/ ٣٦٠).
(٢) في الطبعتين: «يوافقنا» خلافًا للأصل.
(٣) ط. المعارف: «بعض» تحريف سماعي.
(٤) أخرجه أحمد (١١٠٤٥).
(٥) «السنن الكبرى» (٩/ ٣٦٠).
الثاني: أن هذا إنما يكون علة إذا كان الراوي ممن لا يميز حديثَ الشيخ صحيحَه مِن سقيمِه. وأما يزيد بن هارون وأمثاله إذا رَوَوا عن رجل قد وقع في حديثه بعض الاختلاط فإنهم يميزون حديثه وينتقونه.
هذا مع أن حديثه موافق لأحاديث الباب، كحديث سمرة، ورافع بن عمرٍو، وعبد الله بن عمرو، وعباد بن شرحبيل. وهذا يدل على أنه محفوظ، فإن١ له أصلًا، ولهذا صححه ابن حبان وغيره.
١٠ - باب في الطاعة
٢٨٤/ ٢٥١١ - وعن علي: أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا، وأمَّرَ عليهم رجلًا وأمرهم أن يسمعوا له ويُطيعوا، فأجَّجَ نارًا وأمرهم أن يَقْتَحِموا فيها، فأبى قومٌ أن يدخلوها، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: لو دَخَلُوها ــ أو دَخلَوا فيها ــ لم يزالوا فيها، وقال: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي٢.
قال ابن جرير٣: «الأخبار الواردة بالسمع والطاعة للأمراء ما لم يكن خلافًا لأمر الله ورسوله، فإذا كانت خلافًا لذلك فغير جائز أن يُطيع أحدًا في معصية الله ورسوله، وبنحو ذلك قال عامّة السلف»، وأشار إلى أن الأحاديث المجملة يفسرها الأحاديث المفسَّرة دفعًا للتضاد في الأحاديث٤.
(١) في الطبعتين: «وأن» خلافًا للأصل.
(٢) أبو داود (٢٦٢٥)، والبخاري (٤٣٤٠، ٧١٤٥، ٧٢٥٧)، ومسلم (١٨٤٠)، والنسائي (٤٢٠٥).
(٣) لم أجده في القدر المطبوع من «تهذيب الآثار».
(٤) هذه الفقرة من كلام المنذري أثبتناها من (هـ)، وهي ساقطة من «المختصر» المطبوع، وثابتة في المخطوط (النسخة البريطانية) ضمن كلام طويل للمنذري.