تهذيب السنن

سائمة من الغنم فَرَع» فهذه الأحاديث تدل على مشروعيته.

وقال ابن المنذر١: ثبت أن عائشة قالت: أمر النبي ﷺ في الفَرَعة من كل خمسين بواحدة٢. قال: وروينا عن نُبَيشة قال: سئل رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نَعتِر عتيرةً في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ فقال: «في كل سائمة فَرَع»، اختصر الحديث، وسيأتي لفظه.

قال: وخبر عائشة وخبر نبيشة ثابتان. قال: وقد كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية، ويفعلها بعض أهل الإسلام، فأمر النبي ﷺ بهما، ثم نهى عنهما رسول الله ﷺ فقال: «لا فرع ولا عتيرة»، فانتهى الناس عنهما لنهيه إياهم عنهما.

  1. (١) «الإشراف» (٣/ ٤٢٥ - ٤٢٦)، والمؤلف صادر عن «الاعتبار» للحازمي (ص ٥٧١ - ٥٧٢).
  2. (٢) أخرجه عبد الرزاق (٧٩٩٧)، وأبو داود (٢٨٣٣)، والبيهقي (٩/ ٣١٢) من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عائشة. وصحح الحافظ إسناده في «الفتح» (٩/ ٥٩٨). وفيه نظر، فإن عبد الله بن عثمان بن خثيم، وإن كان صدوقًا، ولكنه أنكرت عليه أحاديث حتى قال ابن معين: «أحاديثه ليست بالقوية»، وقال ابن حبان في «الثقات» (٥/ ٣٤): «كان يخطئ». وقد اضطَرب في رواية هذا الحديث، فرواه تارةً هكذا: «من كل خمسين بواحدة»، وتارةً: «من الخمسةِ واحدة»، كما عند أحمد (٢٤٥٣٠، ٢٥٢٥٠)، وأبي يعلى (٤٥٠٩)، والحاكم (٤/ ٢٣٦) من طُرق عنه.
254

ومعلوم أن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يُفعَل، ولا نعلم أن أحدًا من أهل العلم يقول: إن النبي ﷺ كان ينهاهم عنهما ثم أذن فيهما.

والدليل على أن الفعل كان قبل النهي: قوله في حديث نبيشة: «إنا كنا نَعتِر عتيرة في الجاهلية، وإنا كنا نُفرِّع فَرَعًا في الجاهلية».

وفي إجماع عوامّ علماء الأمصار أن استعمالهما١ ذلك وقوف عن الأمر بهما، مع ثبوت النهي عن ذلك= بيانٌ لما قلنا.

وقد كان ابن سيرين من بين أهل العلم يذبح العتيرة في شهر رجب، وكان يروي فيها شيئًا. وكان الزهري يقول: «الفرعة أول نتاج، والعتيرة شاة كانوا يذبحونها في رجب»٢. آخر كلام ابن المنذر.

وقال أبو عبيد٣: هذا منسوخ. وكان إسحاق بن راهويه يحمل قوله: «لا فرع ولا عتيرة» أي لا يجب ذلك، ويحمل هذه الأحاديث على الإذن فيها٤. قال الحازمي٥: وهذا أولى مما سلكه ابن المنذر.

  1. (١) في الأصل و(هـ): «استعمالها»، والتصحيح من «الاعتبار»، وفي مطبوعة «الإشراف»: «عن استعمالهما، والوقوف عن الأمر بهما».
  2. (٢) أخرجه الحميدي في «المسند» (١١٢٦)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار (١٠٦١). وهو في «الصحيحين» عقب حديث «لا فَرَع ولا عتيرة» دون التصريح أنه من قول الزهري، والحديث مروي من طريقه.
  3. (٣) «غريب الحديث» (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
  4. (٤) انظر قول إسحاق في «مسنده» عقب الحديث (١٠٣٤).
  5. (٥) «الاعتبار» (ص ٥٧٣).
255

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي