تهذيب السنن

وليس شعبة وسفيان بدون هؤلاء الذين وقفوه، ولا مثل هذا اللفظ من ألفاظ الصحابة، بل هو المعتاد من خطاب النبي ﷺ في قوله: «لا يؤمن أحدكم»١، «أيعجِز أحدكم»٢، «أيحب أحدكم»٣، «إذا أتى أحدكم الغائط»٤، «إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه»٥ ونحو ذلك.

وأما اختلافهم في متنه٦: فذهب إليه طائفة من التابعين ومن بعدهم، فذهب إليه سعيد بن المسيب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد وغيرهم.

  1. (١) كما في حديثَي أنس المتفق عليهما: «... حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»، و«... حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
  2. (٢) كما في حديث أبي سعيد عند البخاري (٥٠١٥): «أيعجِز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟»، وهو عند مسلم من حديث أبي الدرداء (٨١١). وعنده (٢٦٩٨) أيضًا من حديث سعد مرفوعًا: «أيعجِز أحدكم أن يكسب كل يومٍ ألف حسنة؟».
  3. (٣) كما في حديث ابن عمر المتفق عليه: «أيحب أحدكم أن تُؤتى مشرُبَتُه فتكسر خزانته ...»، وقد سبق. وعند مسلم (٨٠٢) من حديث أبي هريرة: «أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفات عظامٍ سمان؟».
  4. (٤) هو حديث أبي أيوب المتفق عليه: «... فلا يستقبل القبلة ولا يُوَلِّها ظهرَه».
  5. (٥) هو حديث أبي هريرة المتفق عليه: «إذا أتى أحدَكم خادمُه بطعامه، فإن لم يُجلسه معه، فليناوله أُكلةً أو أُكلتين ــ أو لقمةً أو لقمتين ــ، فإنه ولِيَ حرَّه وعلاجه».
  6. (٦) انظر: «الإشراف» (٣/ ٤١١ - ٤١٢)، و«مختصر اختلاف العلماء للطحاوي» باختصار الجصاص (٣/ ٢٣٠)، و«البيان والتحصيل (١٧/ ٣١٥، ١٨/ ١٦٦)، و«المغني» (١٣/ ٣٦٢)، و«المجموع» (٨/ ٣٦٣).
260

وذهب آخرون إلى أن ذلك مكروه لا محرّم، وحملوا الحديث على الكراهة، منهم مالك وطائفة من أصحاب أحمد، منهم أبو يعلى وغيره.

وذهبت طائفة إلى الإباحة، وأنه غير مكروه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.

والذين لم يقولوا به، منهم من أعله بالوقف، وقد تقدّم ضعفُ هذا التعليل. ومنهم من قال: هذا خلاف الحديث الثابت عن عائشة المتفق على صحته: أن رسول الله ﷺ كان يبعث بهَدْيه ويقيم حلالًا، لا يحرم عليه شيء١.

قال الشافعي٢: فإن قال قائل: ما دل على أنه اختيار لا واجب؟ قيل له: روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: «أنا فتلتُ قلائدَ هدي النبي ﷺ بيدي، ثم قلّدها رسول الله ﷺ، ثم بعث بها مع أبي بكر، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحلّه الله له حتى نحر الهدي».

قال الشافعي: وفي هذا دلالة على ما وصفت، وعلى أن المرء لا يُحْرِم بالبِعثة بهديه؛ يقول: البِعثة بالهدي أكبر من إرادة الأضحية.

ومنهم من رد هذا الحديث بخلافه للقياس، لأنه لا يَحْرُم عليه الوطء واللباس والطِّيب، فلا يحرم عليه حلق الشعر وتقليم الظفر.

وأسعد الناس بهذا الحديث مَن قال بظاهره لصحته وعدم ما يعارضه.

  1. (١) أخرجه البخاري (١٦٩٨، ١٧٠٠، ١٧٠٢، ومواضع أخرى)، ومسلم (١٣٢١).
  2. (٢) «اختلاف الحديث» (١٠/ ١٥٨ - ضمن الأم).
261

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي