٢٩٦/ ٢٦٨٠ - وعن زيد بن خالد الجُهني، قال: قَسَم رسول الله ﷺ في أصحابه ضحايا، فأعطاني عَتُودًا جَذَعًا، قال: فرجعتُ به إليه. فقلت: إنه جَذَع، قال: «ضَحِّ به»، فضحَّيتُ به١.
في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم الكلام عليه.
ورواه أحمد بن خالد الوهبي عن ابن إسحاق، وقال فيه: «فقلت: إنه جَذَع من المعز»٢.
وقد أخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما»٣ من رواية عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ أعطاه غنمًا يقسمها على أصحابه ضحايا فبقي عَتُود، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال: «ضحِّ به أنت».
وقد وقع لنا حديث عقبة هذا من رواية يحيى بن بُكير عن الليث بن سعد، وفيه: «لا رخصة لأحد فيها بعدك»٤.
(١) «سنن أبي داود» (٢٧٩٨)، ورواه أحمد (٢١٦٩٠)، وابن حبان (٥٨٩٩)، والطبراني (٥٢١٧ - ٥٢٢٠)، من طرق عن محمد بن إسحاق، عن عُمارة بن عبد الله بن طُعمة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد.
(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٥٢١٧)، والبيهقي (٩/ ٢٧٠).
(٣) البخاري (٢٣٠٠، ٢٥٠٠)، ومسلم (١٩٦٥) من ثلاثة طرق، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر ﵁.
(٤) أخرجه البيهقي (٩/ ٢٧٠) من طريق يحيى بن بُكير، عن الليث به. وهذه الزيادة منكرة، قد تفرد يحيى بها دون غيره ممن رواه عن الليث. ويحيى وإن كان ثقة في روايته عن الليث، لكنه متكلم فيه، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يُحتج به. ثم إن لحديث عقبة طريقًا آخر، يرويه يحيى بن أبي كثير، عن بَعجة الجهني، عن عقبة، وليس فيه هذه الزيادة. أخرجه البخاري (٥٥٤٧)، ومسلم (١٩٦٥/ ١٦)
قال البيهقي١: وهذه الزيادة إذا كانت محفوظةً كانت رخصة له، كما رخّص لأبي بُردة بن نِيار، وعلى مثل هذا يُحمَل معنى حديث زيد بن خالد الجهني الذي أخرجه أبو داود هاهنا.
وقال غيره: حديث عُقبة منسوخ بحديث أبي بردة، لقوله: «ولن تَجزي عن أحد بعدك». وفيما قاله نظر، فإن في حديث عقبة أيضًا: «ولا رخصة لأحد فيها بعدك». وأيضًا فإنه لا يُعرف المتقدّم منهما من المتأخر.
وقد أشار البيهقي٢ إلى أن الرخصة ايضًا لعقبة وزيد بن خالد، كما كانت لأبي بُردة.
قال ابن القيم ﵀: وهذا لا يصح، فإن قوله لأحد هؤلاء: «ولن تَجزي عن أحد بعدك»٣ و«لا رخصة فيها لأحد بعدك» ينفي تعدد الرخصة. وقد كنا نستشكل هذه الأحاديث إلى أن يسر الله بإسفارِ صُبْحِها٤ وزوالِ إشكالها، فله الحمد، فنقول:
أما حديث أبي بردة بن نيار فلا ريب في صحته، وأن النبي ﷺ قال له: في الجَذَعة من المعز: «ولن تَجزي عن أحدٍ بعدك»، وهذا قطعًا ينفي أن
(١) «السنن الكبرى» (٩/ ٢٧٠).
(٢) «السنن الكبرى» (٩/ ٢٧٠)، وقد سبق نص كلامه آنفًا.
(٣) قاله ﷺ لأبي بُردة بن نيار في قصته المشهورة حين استعجل الذبح قبل الصلاة فلم يُعتدّ بها نُسُكًا، فأراد أن يضحّي بعد الصلاة بِعَناقٍ جَذَعةٍ لم يكن عنده غيرها. أخرجها البخاري (٩٥٥، ومواضع) ومسلم (١٩٦١) من حديث البراء بن عازب.