وأما حديث عقبة بن عامر، فإنما وقع فيه الإشكال أنه جاء في بعض ألفاظه أنه بقيتْ له جَذَعة١. وقد ثبت في «الصحيحين»: أن النبي ﷺ أعطاه غنمًا يَقسِمها على صحابته ضحايا فبقي عَتُود، فذكره للنبي ﷺ فقال: «ضحِّ به أنت»، فظن من ظن: أن العتود: هو الجَذَع من ولد المعز، فاستشكله وقَوَّى هذا الإشكالَ عنده روايةُ يحيى بن بُكَير عن الليث في هذا الحديث: «ولا رخصة فيها لأحد بعدك».
ولكن العتود من ولد المعز: ما قوي ورَعَى، وأتى عليه حول، قاله الجوهري٢، وكذلك كلام غيره من أئمة اللغة قريب منه. قال بعضهم٣: ما بلغ السِّفاد. وقال بعضهم٤: ما قوي وشبَّ. وعلى هذا فيكون هو الثَنِيُّ من المعز، فتجوز الضحية به. ومن رواه «فبقي جذَع» لم يقل: فيه جذع من المعز، ولعله ظن أن العتود هو الجذع من المعز فرواه كذلك، والمحفوظ: «فبقي عتود»، وفي لفظ «فأصابني جذع»، وليس في «الصحيح» إلا هاتان اللفظتان. وأما «جذع من المعز»، فليس في حديث عقبة، فلا إشكال فيه.
فإن قيل: فما وجه قوله: «ولا رخصة فيها لأحد بعدك»؟
قيل: هذه الزيادة غير محفوظة في حديثه، ولا ذكرها أحد من أصحاب «الصحيحين»، ولو كانت في الحديث لذكروها ولم يحذفوها، فإنه لا يجوز
(١) هكذا في روايةٍ للبخاري (٥٥٤٧)، ومسلم (١٩٦٥/ ١٦).
(٢) «الصحاح» (٢/ ٥٠٥).
(٣) حكاه في «العين» (٢/ ٢٩).
(٤) هو أبو عبيد القاسم بن سلَّام في «غريب الحديث» (٣/ ٢١٣).
اختصار مثلها، وأكثر الرواة لا يذكرون هذه اللفظة.
وأما حديث زيد بن خالد الجهني فهو ــ والله أعلم ــ حديث عقبة بن عامر الجهني بعينه، واشتبه على ابن إسحاق أو من حدثه به١ اسمُه، وأن قصة العتود وقسمة الضحايا إنما كانت مع عقبة بن عامر الجهني، وهي التي رواها أصحاب الصحيح.
ثم إن الإشكال في حديثه: إنما جاء من قوله: «فقلت: إنه جَذَع من المعز»، وهذه اللفظة إنما ذكرها عن ابن إسحاق٢: أحمدُ بن خالد الوَهبي عنه٣.
٢٩٧/ ٢٦٨١ - وعن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، قال: كُنَّا مع رجل من أصحاب النبيِّ ﷺ، يقال له: مُجاشِعٌ من بني سُليم، فَعزَّت الغنمُ، فأمر مناديًا فنادى: إن رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الجذَعَ يُوَفِّيممّا يُوَفّي منه الثَّنِيُّ».
وأخرجه ابن ماجه٤.
(١) هو عُمارة بن عبد الله بن طعمة، ولعل الحمل عليه في هذا الاشتباه، فإنه وإن كان روى عنه مالك (وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده)، إلا أنه ليس معروفًا بالحفظ والضبط، ولم ينصّ معتبر على توثيقه.
(٢) ط. الفقي: «أبي إسحاق السبيعي»، غلط فاحش.
(٣) أي تفرد بها أحمد عن ابن إسحاق. قلتُ: هو كذلك في هذا الموضع من الحديث، وإلا فقد رويت من غير طريقه في موضع آخر، وهو قوله: «فأعطاني عتودًا جذعًا من المعز»، رواها عن ابن إسحاق اثنان: إبراهيم بن سعد الزهري عند أحمد (٢١٦٩٠) وابن حبان (٥٨٩٩)، وعبد الله بن نمير عند الطبراني في «الكبير» (٥٢٢٠).
(٤) أبو داود (٢٧٩٩)، وابن ماجه (٣١٤٠)، وأخرجه الحاكم (٤/ ٢٢٦) وصححه.