وقوله في بعض ألفاظه١: «فإن ذكاته ذكاة أمه» مما يبطل تأويل من رواه بالنصب وقال: ذكاة الجنين ذكاةَ أمه٢.
قال ابن القيم ﵀: وهذا باطل من وجوه:
أحدها: أن سياق الحديث يبطله، فإنهم [ق ١٥٦] سألوه عن الجنين الذي يوجد في بطن الشاة: أيأكلونه أم يُلقونه؟ فأفتاهم بأكله ورفع عنهم ما توهَّموه من كونه ميتة بأنّ ذكاةَ أمه ذكاةٌ له، لأنه جزء من أجزائها كيَدِها٣ ورأسها، وأجزاءُ المذبوح لا تفتقر إلى ذكاة مستقلة.
والحمل ما دام جنينًا فهو كالجزء منها، لا يُفرَد٤ بحكم، فإذا ذُكِّيت الأم أتت الذكاة على جميع أجزائها التي من جملتها الجنين. فهذا هو القياس الجلي لو لم يكن في المسألة نص.
الثاني: أن السؤال لابد وأن يقع عنه٥ الجوابُ، والصحابة لم يسألوا عن كيفية ذكاته، ليكون قوله: «ذكاته كذكاة أمّه» جوابًا لهم، وإنما سألوا عن
(١) وهو لفظ حديث أبي سعيد الخدري أول الباب.
(٢) كلام المنذري بتمامه مثبت من (هـ)، والمجرد لم يذكر منه إلا الفقرة الأخيرة، وفيها زيادة وتصرّف من المؤلف عمّا في «المختصر» (٤/ ١٢٠ - ١٢١).
(٣) (هـ): «كبدنها».
(٤) في الطبعتين: «ينفرد» خلافًا للأصل.
(٥) في الأصل: «عين»، وفي «هـ»: «عن»، ولعل الصواب ما أثبت، وأصلحه في ط. الفقي هكذا: «أن الجواب لابد وأن يقع عن السؤال».
أكل الجنين الذي يجدونه بعد الذبح، فأفتاهم بأكله معلِّلًا جَرَيان١ ذكاة أمه عليه، وأنه لا يحتاج إلى أن يُفرد بالذكاة.
الثالث: أن أصحاب رسول الله ﷺ أعظم الخلق فهمًا لمراده بكلامه، وقد فهموا من هذا الحديث اكتفاءَهم بذكاة الأم عن ذكاة الجنين، وأنه لا يحتاج أن يُفرد بذكاة، بل يؤكل. قال عبد الله بن كعب بن مالك: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: «إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمّه»٢، وهذا إشارة إلى جميعهم.
قال ابن المنذر٣: كان الناس على إباحته، لا نعلم أحدًا منهم خالف ما قالوه، إلى أن جاء النعمان٤، فقال: لا يحل، لأن ذكاة نفسٍ لا تكون ذكاة نفسَين.
الرابع: أن الشريعة قد استقرت على أن الذكاة تختلف بالقدرة والعجز،
(١) ط. الفقي: «حلالًا بجريان»، تحريف.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٤١) وابن عبد البر في «الاستذكار» (٥/ ٢٦٤) بإسناد صحيح. وعبد الله بن كعب بن مالك من كبار التابعين، وقيل: وُلد على عهد النبي ﷺ.
(٣) ليس في القدر المطبوع من «الأوسط» و«الإشراف»، وقد نقله الموفق في «المغني» (١٣/ ٣٠٩).
(٤) هو أبو حنيفة، وهذا القول: «لا تكون ذكاةُ نفسٍ ذكاةَ نفسَين» كان يرويه أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قولَه، كما في «الموطأ» برواية محمد بن الحسن (٦٥٢). ولعل إبراهيم قال ذلك في مسألة أخرى غير مسألة ذكاة الجنين، لأنه ثبت من طرق صحيحة عنه أنه قال: «الجنين ذكاته ذكاة أمه». أخرجها الفسوي في «المعرفة والتأريخ» (٢/ ٧٩٢) ومن طريقه البيهقي (٩/ ٣٣٦).