تهذيب السنن

بطهارة، أتاه جبريل فعلَّمه الطهارةَ والصلاةَ١.

وفي حديث إسلام عمر أنه لم يُمكَّن من مسِّ القرآن إلا بعد تطهُّره٢، فكيف نظنّ أنهم كانوا يصلّون بلا وضوء؟

قالوا: وأيضًا فيبعد جدًّا أن يكون المسلمون كلهم إذ ذاك على وضوء.

قالوا: وأيضًا ففي "الصحيحين"٣ عن عبد الله بن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن، فيقرأ السورةَ فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجدُ بعضُنا موضعًا لمكان جبهته".

قالوا: وقد كان يقرأ القرآن عليهم في المجامع كلّها، ومن البعيد جدًّا أن يكون كلّهم إذ ذاك على وضوء، وكانوا يسجدون حتى لا يجد بعضُهم مكانًا لجبهته، ومعلوم أن مجامع الناس تجمع المتوضّئ وغيرَه.

قالوا: وأيضًا فقد أخبر الله تعالى في غير موضع من القرآن أن السَّحَرَة سجدوا لله سجدة فقبلها الله منهم ومدحهم عليها، ولم يكونوا متطهِّرين

  1. (١) أحاديث تعليم جبريل مواقيت الصلاة للنبي ﷺ ليس فيها ذكر للطهارة. انظر البخاري (٥٢١)، ومسلم (٦١٠)، و"سنن أبي داود" (٣٩٣، ٣٩٤، ٣٩٥)، والترمذي (١٤٩، ١٥٠)، والنسائي (٢٩٤، ٥٠٢، ٥١٣)، وأحمد (١١٢٤٩، ١٧٠٨٩)، وغيرها.
  2. (٢) أخرجه الدارقطني: (١/ ١٢٣)، والحاكم: (٤/ ٥٩ - ٦٠)، والبيهقي: (١/ ٨٨) وغيرهم من حديث أنس بن مالك. وسنده منقطع. قاله الذهبي في "تلخيصه". وله طرق أخرى لكنها ضعيفة أيضًا. انظر "دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب": (١/ ١٣٣ - ١٣٨).
  3. (٣) البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥).
40

قطعًا. ومنازعونا يقولون: مثل هذا السجود حرام، فكيف يمدحهم ويُثني عليهم بما لا يجوز؟!

فإن قيل: شرعُ مَن قبلنا ليس بشرع لنا.

قيل: قد احتجَّ الأئمةُ الأربعةُ بشرع مَن قبلنا، وذلك منصوص عنهم أنفُسِهم في غير موضع.

قالوا: سلمنا، لكن ما لم يَرِد شرعُنا بخلافه.

قال المُجوِّزون: فأين ورد في شرعنا خلافُه؟

قالوا: وأيضًا فأفضل أجزاء الصلاة وأقوالها هو القراءة، وتُفْعَل بلا وضوء، [ق ١٠] فالسجود أولى.

قالوا: وأيضًا فالله ﷾ أثنى على كُلِّ مَن سَجَد عند التلاوة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وهذا يدلّ على أنهم سجدوا عَقِب تلاوته بلا فصل، وسواءٌ كانوا بوضوء أو بغيره؛ لأنه أثنى عليهم بمجرَّد السجود عقب التلاوة، ولم يشترط وضوءًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].

قالوا: وكذلك سجود الشكر مستحبٌّ عند تجدّد النّعَم المُنتظرة. وقد تظاهرت السنةُ عن النبي ﷺ بفعله في مواضع متعدّدة١، وكذلك

  1. (١) منها حديث البراء ﵁: أن النبي ﷺ خرّ ساجدًا حين جاءه كتاب علي ﵁ من اليمن بإسلام هَمْدان. رواه البيهقي في "السنن": (٢/ ٣٦٩) وقال: "هذا إسناد صحيح، قد أخرج البخاري صدره فلم يسقه بتمامه، وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه".
41

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي