أكل الجنين الذي يجدونه بعد الذبح، فأفتاهم بأكله معلِّلًا جَرَيان١ ذكاة أمه عليه، وأنه لا يحتاج إلى أن يُفرد بالذكاة.
الثالث: أن أصحاب رسول الله ﷺ أعظم الخلق فهمًا لمراده بكلامه، وقد فهموا من هذا الحديث اكتفاءَهم بذكاة الأم عن ذكاة الجنين، وأنه لا يحتاج أن يُفرد بذكاة، بل يؤكل. قال عبد الله بن كعب بن مالك: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: «إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمّه»٢، وهذا إشارة إلى جميعهم.
قال ابن المنذر٣: كان الناس على إباحته، لا نعلم أحدًا منهم خالف ما قالوه، إلى أن جاء النعمان٤، فقال: لا يحل، لأن ذكاة نفسٍ لا تكون ذكاة نفسَين.
الرابع: أن الشريعة قد استقرت على أن الذكاة تختلف بالقدرة والعجز،
(١) ط. الفقي: «حلالًا بجريان»، تحريف.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٤١) وابن عبد البر في «الاستذكار» (٥/ ٢٦٤) بإسناد صحيح. وعبد الله بن كعب بن مالك من كبار التابعين، وقيل: وُلد على عهد النبي ﷺ.
(٣) ليس في القدر المطبوع من «الأوسط» و«الإشراف»، وقد نقله الموفق في «المغني» (١٣/ ٣٠٩).
(٤) هو أبو حنيفة، وهذا القول: «لا تكون ذكاةُ نفسٍ ذكاةَ نفسَين» كان يرويه أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قولَه، كما في «الموطأ» برواية محمد بن الحسن (٦٥٢). ولعل إبراهيم قال ذلك في مسألة أخرى غير مسألة ذكاة الجنين، لأنه ثبت من طرق صحيحة عنه أنه قال: «الجنين ذكاته ذكاة أمه». أخرجها الفسوي في «المعرفة والتأريخ» (٢/ ٧٩٢) ومن طريقه البيهقي (٩/ ٣٣٦).
فذكاة الصيد الممتنع: بجَرْحه في أي موضعٍ كان، بخلاف المقدور عليه، وذكاة المتردية لا يمكن إلا بطعنها في أي موضع كان، ومعلوم أن الجنين لا يتوصل إلى ذبحه بأكثر من ذبح أمه، فيكون «ذكاةُ أمه ذكاةٌ له» هو محضَ القياس.
الخامس: أن قوله: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» جملة خبرية، جُعل الخبر فيها نفسَ المبتدأ، فهي كقولك: غذاء الجنين غذاء أمه. ولهذا جُعلت الجملةُ اسمَ١ «إن» وخبرَها في قوله: «فإن ذكاتَه ذكاةُ أمه». وإذا كان هكذا لم يَجُز في «ذكاة أمه» إلا الرفع، ولا يجوز نصبه لبقاء المبتدأ بغير خبر، فيخرج الكلام عن الإفادة والتمام، إذ الخبرُ محل الفائدة، وهو غير معلوم.
السادس: أنه إذا نصب «ذكاة أمه» فلا بد وأن يُجعل الأول في تقدير فعلٍ لينتصب عنه المصدر، ويكون تقديره: يُذكَّى الجنينُ ذكاةَ أمه، أو: ذكُّوا الجنينَ ذكاةَ أمه، ونحوه. ولو أريد هذا المعنى لقيل: ذكوا الجنين ذكاة أمه، أو يُذكَّى، كما يقال: اضربْ زيدًا ضربَ عمرٍو، أو: يُضرب، ونحوه.
فأما أن يقال: ضَرْبُ زيدٍ ضَرْبَ عمروٍ، ويُنصب الثاني على معنى: اضربْ زيدًا ضربَ عمرٍو= فهذا لا يجوز، وليس كلامًا عربيًّا، إلا إذا نُصِب الجُزءان معًا، فتقول: ذكاةَ الجنين ذكاةَ أمه، وهذا مع أنه خلاف رواية الناس وأهل الحديث قاطبة، فهو أيضًا ممتنع، فإن المصدر لا بد له من فعل يعمل فيه، فيؤول التقدير إلى: ذكوا ذكاةَ الجنين ذكاةَ أمه، ويصير نظير قولك: «ضَرْبَ زيدٍ ضربَ عمرٍو» بنصبهما، وتقديره: اضربْ ضربَ زيدٍ ضربَ
(١) ط. الفقي: «لتتميم»، وفي ط. المعارف: «ليتم»، كلاهما تحريف.