تهذيب السنن

حنيف قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة: إن رسول الله ﷺ قال: «الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له». قال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه ابن حبان في «صحيحه». ولم يصنع من أعلّ هذا الحديث بحكيم بن حكيم، وأنه مجهول= شيئًا، فإنه قد روى عنه سهيل بن أبي صالح، وعبد الرحمن بن الحارث، وعثمان بن حكيم أخوه، ولم نَعلم أن أحدًا جرحه١، ومِثْلُ هذا ترتفع عنه الجهالة ويُحتَج بحديثه.

ومن حديث عائشة، ذكره الترمذي٢ أيضًا عن ابن جريج، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس، عن عائشة ترفعه: «الخال وارث من لا وارث له». قال الترمذي: حسن غريب. قال: وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام، وأما زيد بن ثابت فلم يورثهم. وقد أرسله بعضهم ولم يذكر فيه: عن عائشة٣. تم كلامه.

وهذا على طريقة منازعينا لا يضر الحديث شيئًا لوجهين:

أحدهما: أنهم يحكمون بزيادة الثقة، والذي وَصَله ثقة وقد زاد، فيجب

  1. (١) بل قال عنه الإمام أحمد ــ كما في «سؤالات أبي داود» (ص ٢٣٣) ــ: «ما أعلم إلا خيرًا»، ووثقه العجلي، وقال ابن حبان في «مشاهير علماء الأمصار» (ص ٢٠٨): «من جِلَّة أهل المدينة»، وأورده في «الثقات». وأغرب ابنُ سعد في «الطبقات» (٧/ ٥٠١) فقال: «كان قليل الحديث، لا يحتجّون بحديثه».
  2. (٢) رقم (٢١٠٤)، وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٦٣١٨، ٦٣١٩)، والدارقطني (٤١١٢ - ٤١١٥) من نفس الطريق مرفوعًا وموقوفًا، واستصوب الدارقطني في «العلل» (٣٦٧٩) والبيهقي (٦/ ٢١٥) الرواية الموقوفة.
  3. (٣) لم أجده مرسلًا عن طاوس، ولكن عن ابنه، أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٨٨، ١٢٤٨٩، ١٩١٢٢، ١٩١٢٣) من طرق عنه.
299

عندهم قبول زيادته.

الثاني: أنه مرسل قد عمل به أكثر أهل العلم كما قال الترمذي، ومثل هذا حجة عند من لا يرى المرسل حجة، كما نص عليه الشافعي١.

وأما حمل الحديث على الخال الذي هو عَصَبة، فباطل يُنزَّه كلام الرسول عن أن يحمل عليه، لِما يتضمنه من اللبس، فإنه إنما علق الميراث بكونه خالًا. فإذا كان سبب توريثه كونَه ابنَ عمٍّ أو مولى، فعدل عن هذا الوصف الموجِب للتوريث إلى وصفٍ لا يوجب التوريث، وعلق به الحكم= فهذا ضد البيان، وكلامُ الرسول ﷺ منزه عن ذلك.

وأما قوله: قد أجمعوا أن الخال الذي لا يكون ابنَ عم أو مولى لا يعقل بالخؤولة، فلا إجماع في ذلك أصلًا، وأين الإجماع؟ ثم لو قدر أن الإجماع انعقد على خلافه في التعاقل، فلم ينعقد على عدم توريثه، بل جمهور العلماء يورِّثونه، وهو قول أكثر الصحابة، فكيف يُترك القول بتوريثه لأجل القول بعدم تحمُّله في العاقلة؟ وهذا حديث المسح على الجوربين والخمار٢، والمسح على العصائب والتساخين٣، والمسح على الناصية

  1. (١) في «الرسالة» (ص ٤٦٢ - ٤٦٣).
  2. (٢) أخرجه مسلم (٢٧٥) من حديث بلال بلفظ: «الخفّين والخمار»، وأخرج البخاري (٢٠٥) من حديث عمرو بن أمية الضَّمْري بذكر الخفّين والعمامة. فأخذت الحنفية والمالكية والشافعية ببعضه دون بعض حيث قالوا بجواز المسح على الخفين، دون العمامة والخمار.
  3. (٣) العصائب هي العمائم، والتساخين هي الخفاف، والحديث أخرجه أحمد (٢٢٣٨٣) وأبو داود (١٤٦) والحاكم (١/ ١٦٩) عن ثوبان. وهو حديث صحيح. انظر: حاشية محققي «المسند» طبعة الرسالة، و«صحيح أبي داود - الأم» للألباني (١/ ٢٥٠).
300

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي