تهذيب السنن

من أهل المدينة من بني زُرَيق أسأله عن ولد الملاعنة، لمن قضى به رسول الله ﷺ؟ فكتب إليّ: إني سألتُ فأُخبِرت أنه قضى به لأمه، هي١ بمنزلة أبيه وأمه.

وهذه آثار يشدُّ بعضها بعضًا. وقد قال الشافعي٢: «إن المرسل إذا روي من وجهين مختلفين أو روي مسندًا، أو اعتضد بعمل بعض الصحابة فهو حجة». وهذا قد روي من وجوهٍ متعددة، وعمل به من ذكرنا من الصحابة.

والقياس معه، فإنها لو كانت معتَقةً كان عصبتها من الولاء عصبةً لأولادها يرثونهم بتعصيب الولاء، والولاء فرع النسب، فكيف يكون عصبتها من الولاء عصبةً٣ لولدها ولا يكون عصبتها من النسب عصبةً لهم؟! ومعلوم أن تعصيب الولاء الثابتَ لغير المباشِر بالعتق فرعٌ على ثبوت تعصيب النسب، فكيف يثبت الفرع مع انتفاء أصله؟!

وأيضًا: فإن الولاء في الأصل لموالي الأب، فإذا انقطع من جهتهم رجع إلى موالي الأم، فإذا عاد من جهة الأب انتقل من موالي الأم إلى موالي الأب. وهكذا النسب: هو في الأصل للأب وعصباته، فإذا انقطع من جهته باللعان عاد إلى الأم وعصباتها، فإذا عاد إلى الأب باعترافه بالولد وإكذابه نفسَه رجع النسب إليه كالولاء سواء، بل النسب هو الأصل في ذلك والولاءُ

  1. (١) في الطبعتين: «وهي» خلافًا للأصل ولمصادر التخريج.
  2. (٢) انظر: «الرسالة» (ص ٤٦١ - ٤٦٤).
  3. (٣) من قوله: «عصبة لأولادها» إلى هنا ساقط من الأصل، واستدرك من (هـ)
307

مُلحَق به.

وهذا من أوضح القياس وأبينه، وأَدَلِّه على دقَّة أفهام الصحابة وبُعدِ غَورهم في فهم١ مآخذ الأحكام. وقد أشار إلى هذا في قوله في الحديث: «هي بمنزلة أمه وأبيه». حتى لو لم ترد هذه الآثار لكان هذا محضَ القياس الصحيح.

وإذا ثبت أن عصبة أمه عصبة له، فهي أولى أن تكون عصبتَه، لأنهم فرعها وهم إنما صاروا عصبةً له بواسطتها، ومن جهتها استفادوا تعصيبهم، فأن تكون هي نفسها عصبةً أولى وأحرى.

فإن قيل: لو كانت أمه بمنزلة أمه وأبيه لحجبت إخوتَه ولم يرثوا معها شيئًا، وأيضًا: فإنهم إنما يرثون منه بالفرض، فكيف يكونون عصبةً له؟

فالجواب: أنها إنما لم تحجب إخوته من حيث إن تعصيبها مفرَّع على انقطاع تعصيبه من جهة الأب، كما أن تعصيب الولاء مفرَّع على انقطاع التعصيب من جهة النسب، فكما لا يحجب عصبةُ الولاء أحدًا من أهل النسب، كذلك لا تحجب الأم الإخوة لضعف تعصيبها وكونِه إنما صار إليها ضرورةَ تعذُّرِه من جهة أصله، وهو بِعُرْض الزوال، بأن يُقرّ به الملاعن فيزول.

وأيضًا: فإن الإخوة استفادوا من جهتها أمرين: أخوة ولد الملاعنة وتعصيبه، فهم يرثون أخاهم معها بالأُخوَّة لا بالتعصيب، وتعصيبها إنما يدفع تعصيبهم لا أُخوَّتهم، ولهذا وَرِثوا معها بالفرض لا بالتعصيب، وبالله

  1. (١) «فهم» من (هـ).
308

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي