تهذيب السنن

مُلحَق به.

وهذا من أوضح القياس وأبينه، وأَدَلِّه على دقَّة أفهام الصحابة وبُعدِ غَورهم في فهم١ مآخذ الأحكام. وقد أشار إلى هذا في قوله في الحديث: «هي بمنزلة أمه وأبيه». حتى لو لم ترد هذه الآثار لكان هذا محضَ القياس الصحيح.

وإذا ثبت أن عصبة أمه عصبة له، فهي أولى أن تكون عصبتَه، لأنهم فرعها وهم إنما صاروا عصبةً له بواسطتها، ومن جهتها استفادوا تعصيبهم، فأن تكون هي نفسها عصبةً أولى وأحرى.

فإن قيل: لو كانت أمه بمنزلة أمه وأبيه لحجبت إخوتَه ولم يرثوا معها شيئًا، وأيضًا: فإنهم إنما يرثون منه بالفرض، فكيف يكونون عصبةً له؟

فالجواب: أنها إنما لم تحجب إخوته من حيث إن تعصيبها مفرَّع على انقطاع تعصيبه من جهة الأب، كما أن تعصيب الولاء مفرَّع على انقطاع التعصيب من جهة النسب، فكما لا يحجب عصبةُ الولاء أحدًا من أهل النسب، كذلك لا تحجب الأم الإخوة لضعف تعصيبها وكونِه إنما صار إليها ضرورةَ تعذُّرِه من جهة أصله، وهو بِعُرْض الزوال، بأن يُقرّ به الملاعن فيزول.

وأيضًا: فإن الإخوة استفادوا من جهتها أمرين: أخوة ولد الملاعنة وتعصيبه، فهم يرثون أخاهم معها بالأُخوَّة لا بالتعصيب، وتعصيبها إنما يدفع تعصيبهم لا أُخوَّتهم، ولهذا وَرِثوا معها بالفرض لا بالتعصيب، وبالله

  1. (١) «فهم» من (هـ).
308

التوفيق.

الجملة الثالثة في حديث واثلة: «ميراث اللقيط». وهذا قد اختلف فيه، فذهب الجمهور إلى أنه لا توارث بينه [ق ١٦١] وبين ملتقطه بذلك. وذهب إسحاق بن راهويه إلى أن ميراثه لملتقطه عند عدم نسبه١، لظاهر حديث واثلة.

وإن صح الحديث فالقول ما قال إسحاق، لأن إنعام الملتقط على اللقيط بتربيته والقيام عليه والإحسان إليه، ليس بدون إنعام المُعتِق على العبد بعتقه. فإذا كان الإنعام بالعتق سببًا لميراث المعتق، مع أنه لا نسب بينهما، فكيف يستبعد أن يكون الإنعام بالالتقاط سببًا له مع أنه قد يكون أعظم موقعًا وأتم نعمةً؟

وأيضًا فقد ساوى هذا الملتقط المسلمين في مال اللقيط، وامتاز عنهم بتربية اللقيط والقيام بمصالحه وإحيائه من الهلكة، فمِن محاسن الشرع ومصلحته وحكمته: أن يكون أحقَّ بميراثه.

وإذا تدبَّرتَ هذا وجدته أصحَّ من كثير من القياسات التي يبنون عليها الأحكام، والعقولُ أشدُّ قبولًا له. فقول إسحاق في هذه المسألة في غاية القوة، والنبي ﷺ كان يدفع الميراث بدون هذا، كما دفعه إلى العتيق مرة٢،

  1. (١) كما في «مسائله» برواية الكوسج (٢/ ٤٧٢ - ٤٧٣، ٥٠٤) مستدلًّا بقول عمر للملتقط: «لك ولاؤه، وعلينا نفقته». أخرجه مالك في «الموطأ» (٢١٥٥).
  2. (٢) أخرجه أحمد (١٩٣٠)، وأبو داود (٢٩٠٥)، والترمذي (٢١٠٦) وقال: حسن، والحاكم (٤/ ٣٤٧)، من طريق عمرو بن دينار، عن عوسجة مولى ابن عباس، عن ابن عباس.
    عوسجة هذا وثَّقه أبو زرعة، لكنه ليس بمشهور ولم يتابع عليه. قال البخاري: لم يصح حديثه. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٦٤٣)، و«الضعفاء» للعقيلي (٥/ ٢٩)، و«الكامل» لابن عدي (٥/ ٣٨٤).
309

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي