قال سفيان بن عيينة٢: معنى «حالف» آخى، ولا حِلف في الإسلام كما جاء به الحديث.
وقال غيره: أصل الحِلف المعاقدةُ والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، وهو من الحلف التي هي اليمين، فما كان منه في الجاهلية على القتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله ﵇: «لا حِلف في الإسلام»، وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصِلة الأرحام كحِلف المطيبين٣ وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه ﷺ: «وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزِده الإسلام إلا شِدَّةً»، يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق. فبذلك يُجمَع الحديثان.
وقيل: المُحالفة كانت قبل الفتح، وقوله: «لا حلف في الإسلام» قاله زمنَ الفتح فكان ناسخًا٤.
قال ابن القيم ﵀: فالظاهر ــ والله أعلم ــ أن المراد بالحديث: أن الله
(١) أبو داود (٢٩٢٦)، والبخاري (٢٢٩٤)، ومسلم (٢٥٢٩).
(٢) عقب الحديث، كما عند أحمد (١٢٠٨٩) والخطابي في «غريب الحديث» (٢/ ٢١٢)، والمنذري صادر عن «المعالم» (٤/ ١٩٠).
(٣) رسمه في المخطوط: «المطلبين»، ولعل الصواب ما أثبت.
(٤) كلام المنذري في معنى الحديث ساقط من مطبوعة «المختصر»، فأثبتناه من أصله الخطي (النسخة البريطانية). وقد أشار المجرّد إلى أن ابن القيم بدأ بذكر الوجوه التي ذكرها المنذري في الحلف، واستضعفها ثم قال: «فالظاهر ...» إلخ.
تعالى قد ألَّف بين المسلمين بالإسلام، وجعلهم به إخوةً متناصرين متعاضدين يدًا١ واحدة بمنزلة الجسد الواحد، فقد أغناهم بالإسلام عن الحلف. بل الذي توجبه أخوّةُ الإسلام لبعضهم على بعضٍ أعظمُ مما يقتضيه الحلف.
فالحلف إن اقتضى شيئًا يخالف الإسلام فهو باطل، وإن اقتضى ما يقتضيه الإسلام فلا تأثير له، فلا فائدة فيه. وإذا كان قد وقع في الجاهلية ثم جاء الإسلام بمقتضاه لم يزده إلا شدةً وتأكيدًا.
وأما قول النبي ﷺ: «شهدت حِلْفًا في الجاهلية ما أحب أن لي به حُمْرَ النَّعَم، لو دُعِيتُ إلى مثله في الإسلام لأجبت»٢، فهذا ــ والله أعلم ــ هو حلف المُطيَّبين٣، حيث تحالفت قريش على نصر المظلوم، وكفِّ الظالم
(١) في الأصل وط. المعارف: «يد»، والمثبت من ط. الفقي.
(٢) أخرجه البزار (١٠٢٤) والطوسي في «مختصر الأحكام» (١٣٤٦) بنحوه، وأخرج البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٢٩٥) طرفًا منه، من طرق فيها مقال عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جدّه. وله شاهد من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف مرسلًا عند ابن إسحاق (سيرة ابن هشام ١/ ١٣٤) والبيهقي (٦/ ٣٦٧). وروي نحوه من حديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد (١٦٥٥) وابن حبان (٤٣٧٣) والحاكم (٢/ ٢٢٠)، ولكن ليس فيه موضع الشاهد: «لو دُعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت».
(٣) كذا ورد مصرَّحًا في حديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد وابن حبان والحاكم، ولكن في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق المدني، في حديثه بعض ما يُنكر ولا يُتابَع عليه، وهذا الحديث مما أنكره عليه ابن عدي في ترجمته في «الكامل» (٤/ ٣٠١). وورد أيضًا في حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة مرفوعًا عند ابن حبان (٤٣٧٤)، ولكن في إسناده ضعف، ورجَّح الدارقطني في «العلل» (١٧٧٩) أن الصواب عن أبي سلمة مرسلًا. وقد اعتبر بعض العلماء ما ورد من ذكر «حلف المطيبين» غلطًا، قالوا: والصواب: «حلف الفضول»، لأن حلف المطيّبين كان قبل مولد النبي ﷺ بزمان. وقد أجاب ابن حبان وغيره بأن المراد حِلْف الفُضُول الذي عقده المُطَيَّبون. انظر: «صحيح ابن حبان» عقب (٤٣٧٤)، و«السنن الكبرى» للبيهقي (٦/ ٣٦٥ - ٣٦٧)، و«البداية والنهاية» (٣/ ٤٥٥ - ٤٥٦)، و«البدر المنير» (٧/ ٣٢٥ - ٣٢٩).