قال ابن القيم ﵀: والصواب في ذلك: ما دل عليه النص: أنه لا ينبغي القدوم على الأرض التي هو بها، فإن ذلك تعرُّضٌ للبلاء، وقد نهى النبي ﷺ عن تمنّي لقاء العدو١.
وإذا وقع في أرض هو بها، فإنه لا ينبغي له أن يفرَّ منه، وإن ظن في ذلك نجاته، بل ينبغي له أن يصبر، كما قال النبي ﷺ في العدو: «وإذا لقيتموهم٢ فاصبروا»، لا سيما والطاعون قد جاء أنه وَخْزُ أعدائنا من الجن٣. فالطاعون كالطِّعان، فلا ينبغي الفرار منهما ولا تمنِّي لقائِهما.
٤ - باب تطهير ثياب الميت عند الموت
٣٢٧/ ٢٩٨٥ - عن أبي سعيد الخدري أنه لما حضره الموت دعا بثيابٍ جُدُدٍ فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المَيِّت يُبعَث في ثيابه التي يموت فيها»٤.
(١) أخرجه البخاري (٢٩٦٦) ومسلم (١٧٤٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى بلفظ: «يا أيها الناس، لا تتمنَّوا لقاءَ العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا». وأخرجا من أبي هريرة نحوه. البخاري (٣٠٢٦) ومسلم (١٧٤١).
(٢) في الطبعتين: «لقيتموه» خلافًا للأصل ولنص الحديث.
(٣) جاء ذلك في حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا، أخرجه أحمد (١٩٥٢٨، ١٩٧٠٨)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٩/ ١٥ - ١٦)، من طرق تقوي بعضها بعضًا. وقد صححه الحافظ في «الفتح» (١٠/ ١٨١ - ١٨٢) بمجموع طرقه.
(٤) «سنن أبي داود» (٣١١٤)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٧٣١٦)، والحاكم (١/ ٣٤٠)، وإسناده جيّد.
قال ابن القيم ﵀١: استعمل أبو سعيد الحديث على ظاهره، وقد رُوي في تحسين الكفن أحاديث٢. وقد تأوله بعضهم على أن معنى الثياب العمل، كَنَى بها عنه، يريد أنه يُبعث على ما مات عليه من عمل صالح أو سيِّئ. قال: والعرب تقول: «فلان طاهر الثياب»، إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب والدَّنَس، وتقول: دَنِس الثياب إذا كان بخلاف ذلك، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾[المدثر:٤] وأكثر المفسرين على أن المعنى: وعملَكَ فأصْلِح ونفسك فزَكِّ٣. قال الشاعر٤:
ثيابُ بني عوفٍ طَهارَى نقيَّةٌ
قال: وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «يحشر الناس حُفاةً عُراة»٥.
وقالت طائفة: البعث غير الحشر، فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب، والحشر مع العُرْي والحَفا.
(١) أفاد المؤلف في شرح الحديث من كلام الخطابي في «المعالم» (٤/ ٢٨٥).
(٢) منها حديث جابر عند مسلم (٩٤٣) بلفظ: «إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسّن كفنه». وبنحوه حديث أبي قتادة عند الترمذي (٩٩٥) بإسناد حسن.
(٣) هو قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. انظر: «تفسير الطبري» (٢٣/ ٤٠٥ - ٤٠٩).
(٤) صدر بيت لامرئ القيس في «ديوانه» (ص ٨٣)، وعجزه: «وَأوْجُههم عند المَشاهدِ غُرّانُ».
(٥) أخرجه البخاري (٣٣٤٩، ٦٥٢٧) ومسلم (٢٨٦٠، ٢٨٥٩) عن ابن عباس وعائشة ﵃.