تهذيب السنن

ويدل على ذلك ما روى البخاري في «صحيحه»١ عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجَعلتْ أخته عَمْرةُ تبكي: واجَبَلاه! وا كذا، وا كذا، تُعدِّد عليه، فقال حين أفاق: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: آنْتَ كذلك؟

وقد تقدم٢ قول النبي ﷺ في حديث عبد الله بن ثابت: «فإذا وجب فلا تبكينَّ باكية».

وهذا أصح ما قيل في الحديث٣. ولا ريب أن الميت يسمع بكاء الحي، ويسمع قرْعَ نعالهم٤، وتُعرَض عليهم٥ أعمالُ أقاربهم الأحياء٦، فإذا رأوا فيها ما يسوءهم تألموا له. وهذا ونحوه مما يتعذب به

  1. (١) رقم (٤٢٦٧). وانظر أيضًا حديث أبي موسى الأشعري بمعناه ــ وهو أصرح دلالةً ــ عند أحمد (١٩٧١٦)، وابن ماجه (١٥٩٤)، والحاكم (٢/ ٤٧٠).
  2. (٢) في «المختصر» (٢٩٨٢)، وهو في «السنن» (٣١١١) بإسناد حسن.
  3. (٣) وهو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية في «جواب الاعتراضات المصرية» (ص ٥٩ - ٧٢)، و«مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٦٩ - ٣٧٦)، و«جامع المسائل» (٣/ ١٣٨ - ١٤١).
  4. (٤) كما في حديث أنس عند البخاري (١٣٣٨) ومسلم (٢٨٧٠).
  5. (٥) أي: على الأموات، وفي الطبعتين: «عليه» خلافًا للأصل.
  6. (٦) روي ذلك في عدة أحاديث مرفوعة، ولا يصح منها شيء. وفي الباب آثار موقوفة مروية من وجوه حسان، منها: عن أبي أيوب وأبي الدرداء في «الزهد» لابن المبارك (١/ ١٤٩، ٢/ ٤٢) و«المنامات» لابن أبي الدنيا (٣ - ٥)، وعن أبي هريرة في «تهذيب الآثار ــ مسند عمر» للطبري (٢/ ٥١٠ - ٥١١)، وعن سعيد بن جبير في «الزهد» لابن المبارك (١/ ١٥١). وانظر: «الضعيفة» (٤٤٣، ٨٦٣، ٨٦٤)، و«الصحيحة» (٢٧٥٨) كلاهما للألباني.
340

الميت ويتألم، ولا تعارض بين ذلك وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ بوجهٍ ما.

[وأما الشافعي ﵀ فإنه سلك في هذا الحديث مسلكَ عائشة بعينه، قال١: وما روت عائشة عن النبي ﷺ أشبه أن يكون محفوظًا عنه بدلالة الكتاب ثم السنة. قال: فإن قيل: فأين دلالة الكتاب٢؟ قيل في قوله ﷿: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ٣٨ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٨، ٣٩]، وقولِه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وقولِه: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]. قال الشافعي: فإن قيل: أين دلالة السنة؟ قيل: قال رسول الله ﷺ لرجل: «ابنك هذا؟» قال: نعم، قال: «أما إنَّه لا يجني عليك ولا تجني عليه»٣، فأَعلَمَ رسولُ الله مثلَ ما أعلم الله من أن جناية كل امرئٍ عليه كما عملُه له لا لغيره ولا عليه. والله أعلم]٤.

  1. (١) في «اختلاف الحديث» (١٠/ ٢١٨ - ٢١٩ ــ ضمن الأم).
  2. (٢) بعده في (هـ): «والسنة»، وهو سهو، فإنه ليس في كتاب الشافعي ولا المنذري، سيأتي ذكر السنة مستقلًّا بعد هذا.
  3. (٣) أخرجه أحمد (٧١٠٧)، وأبو داود (٤٤٩٥)، وابن حبان (٥٩٩٥)، والحاكم (٢/ ٤٢٥) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
  4. (٤) ما بين الحاصرتين من (هـ)، والظاهر أن المجرّد لم يذكره لأنه ليس من زيادات المؤلف بل مما نقله من «مختصر المنذري» (ق ٣/ ٧٩ - ٨٠ - النسخة البريطانية) بتصرف يسير.
341

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي