وحديث أبي مالك الغفاري قال: كان قتلى أحد يؤتى بتسعةٍ وعاشرُهم حمزة، فيصلي عليهم رسول الله ﷺ، ثم يُحمَلون، ثم يُؤتى بتسعة فيصلي عليهم وحمزة مكانه، حتى صلى عليهم رسول الله ﷺ. هذا مرسل صحيح ذكره البيهقي١، [ق ١٦٥] وقال: هو أصح ما في الباب.
وروى أبو بكر بن عياش عن يزيدَ بن أبي زياد، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: أنه صلى عليهم. رواه البيهقي٢، وقال: لا يُحفظ إلا من حديثهما، وكانا غير حافظين، يعني: أبا بكر، ويزيد بن أبي زياد.
وقد روى ابن إسحاق عن رجل من أصحابه، عن مقسم، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ صلى على حمزة، فكبّر عليه سبع تكبيرات، ولم يُؤتَ بقتيل إلا صلى عليه معه، حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة٣.
ولكن هذا الحديث له ثلاث علل:
إحداها: أن ابن إسحاق عنعنه، ولم يذكر فيه سماعًا٤.
(١) «السنن الكبرى» (٤/ ١٢)، وأخرجه أيضًا أبو داود في «المراسيل» (٤٢٧).
(٢) «السنن الكبرى» (٤/ ١٢)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (١٥١٣)، والحاكم (٣/ ١٩٧ - ١٩٨) من طريق أبي بكر بن عيّاش به.
(٣) أخرجه البيهقي (٤/ ١٣) وضعَّفه لإبهام الرجل من أصحاب ابن إسحاق.
(٤) كذا، وهو وهم سببه أن المؤلف صادر عن «معرفة السنن والآثار» (٥/ ٢٥٧) حيث ذكر فيه البيهقي طرف الإسناد معلقًا باللفظ الذي ذكره المؤلف: «ابن إسحاق عن رجل من أصحابه ...». وقد وصله في «السنن الكبرى» (٤/ ١٣) بإسناده، وفيه: «عن محمد بن إسحاق: حدثني رجل من أصحابي، عن مقسم وقد أدركه ...».
الثانية: أنه رواه عمن لم يسمّه.
الثالثة: أن هذا قد روي من حديث الحسن بن عُمارة عن الحَكَم عن مِقْسم عن ابن عباس١. والحَسَن لا يُحتَجّ به، وقد سُئل الحَكَم: أصلَّى النبيُّ ﷺ على قتلى أُحُد؟ قال: لا. سأله شعبة٢.
وقد روى أبو داود٣ عن أبي سلَّام عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وفيه: فصلَّى عليه ودفنه، فقالوا: يا رسول الله، أشهيد هو؟ قال: «نعم، وأنا له شهيد»، وقد تقدم٤.
قالوا: وهذه آثار يقوّي بعضها بعضًا، ولم يختلف فيها، وقد اختُلِف في شهداء أحد. فكيف يؤخذ بما اختلف فيه، وتُترَك هذه الآثار؟
والصواب في المسألة: أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجيء
(١) أخرجه مسلم في مقدمة «صحيحه» (عند ذكر كلام الأئمة في الضعفاء والمتّهمين) والبيهقي (٤/ ١٣). والحسن بن عمارة متروك الحديث، ولعله هو الذي أبهمه ابن إسحاق فلم يذكر اسمه. انظر: «الروض الأنف» (٦/ ٤٣).
(٢) أخرجه مسلم في مقدمة «صحيحه» والبيهقي (٤/ ١٣)، وبه استدل شعبة على كذب الحسن بن عمارة، فإنه يروي عن الحَكَم أشياء لا أصل لها عنه.
(٣) رقم (٢٥٣٩)، وفي إسناده الوليد بن مسلم، وهو مدلس، وقد عنعنه. انظر: «ضعيف أبي داود ــ الأم» للألباني (٢/ ٣١٣).
(٤) «المختصر» (٢٤٢٨) ولم يتقدَّم معنا في التجريد. والحديث في (هـ) بتمامه، ولعل الاقتصار في الأصل على ذكر موضع الشاهد منه من تصرّف المجرِّد، وكذا قوله: «وقد تقدّم» فإنه ليس في (هـ).