تهذيب السنن

وقال أبو بكر الهَمَذاني١: ولو صح لكان صريحًا في النسخ، غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت، فلا يقاومه هذا الإسناد.

وقال غيره: النسخ ثابت بحديث علي٢.

قال ابن القيم ﵀: وهذا هو الذي نحاه الشافعي، قال ــ وقد روى حديث عامر بن ربيعة ــ٣: «وهذا لا يعدو أن يكون منسوخًا، أو يكون النبي ﷺ قام لها لعلةٍ قد رواها بعض المُحدِّثين مِن أن جنازة يهودي مُرَّ بها على النبي ﷺ فقام لها كراهية أن تَطُوله٤. وأيهما كان، فقد جاء عن النبي ﷺ تركُه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره؛ إن كان الأول واجبًا فالآخِر من أمره ناسخ، وإن كان استحبابًا فالآخِر هو الاستحباب، وإن كان مباحًا فلا بأس في القيام، والقعودُ أحب إلي، لأنه الآخر من فعله». ثم ذكر حديث علي.

اختلف أهل العلم في القيام [ق ١٦٧] للجنازة وعلى القبر على أربعة أقوال:

  1. (١) في كتابه: «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» (ص ٤٧٧).
  2. (٢) كلام المنذري على هذه الأحاديث من (هـ)، وفيه تصرّف يسير من المؤلف.
  3. (٣) «اختلاف الحديث» (١٠/ ٢١٠ - ضمن الأم)، وعنه البيهقي في «معرفة السنن» (٥/ ٢٦٧ - ٢٨٠) بإسناده إليه.
  4. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٢٠٣٩)، والبيهقي في «معرفة السنن» (٥/ ٢٧٩) من طريق جعفر (الصادق)، عن أبيه (محمد الباقر) قال: كان الحسن بن علي جالسًا في نفر فمُرَّ عليه بجنازة فقام الناس حين طلعت، فقال الحسن: «إنه مُرَّ بجنازة يهودي على رسول الله ﷺ ــ كان النبي ﷺ على طريقها ــ فقام حين طلعت كراهية أن تعلُو على رأسه». إسناده ضعيف، لأن رواية محمد عن الحسن مُرسلة.
362

أحدها: أن ذلك كلَّه منسوخ؛ قيام تابِعها، وقيام من مرَّت عليه، وقيام المشيّع على القبر. قال هؤلاء: وما جاء من القعود نَسْخٌ لهذا كلِّه.

وهذا المذهب ضعيف من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن شرطَ النسخِ المعارضةُ والتأخر، وكلاهما منتفٍ في القيام على القبر بعد الدفن، وفي استمرار قيام المشيّعين حتى توضع، وإنما يمكن دعوى النسخ في قيام القاعد الذي تمر به الجنازة على ما فيه.

الثاني: أن أحاديث القيام كثيرة صحيحة صريحة في معناها، فمنها حديث عامر بن ربيعة، وهو في «الصحيحين»، وفي بعض طرقه: «إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليَقُم حتى تخلِّفَه، أو توضع مِن قَبل أن تخلفه»١. وفي لفظ: «إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلِّفه»٢.

ومنها: حديث أبي سعيد، وهو متفق عليه، ولفظهما٣: «إذا اتبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع». وفي لفظ لهما٤: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلسْ حتى توضع». وهو دليل على القيام في المسألتين.

ومنها: حديث جابر في قيامه لجنازة يهودي، وهو في «الصحيحين»٥.

  1. (١) هذا لفظ مسلم (٩٥٨/ ٧٤)، وبنحوه عند البخاري (١٣٠٨).
  2. (٢) «صحيح مسلم» (٩٥٨/ ٧٥).
  3. (٣) سبق تخريجه.
  4. (٤) البخاري (١٣١٠) ومسلم (٩٥٩/ ٧٧).
  5. (٥) وقد سبق في أحاديث الباب.
363

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي