طريق الهجرتين

ولا ثوابًا ولا عقابًا، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقًا ومصنوعًا.

والفقر الثاني فقرٌ اختياريٌ هو نتيجة علمين شريفين: أحدهما معرفة العبد بربه، والثاني معرفته بنفسه؛ فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتجا١ له٢ فقرًا هو عينُ غناه وعنوانُ فلاحه وسعادته.

وتفاوتُ النَّاسِ في هذا الفقرِ بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين، فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامَّة عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل.

فاللَّه تعالى أخرج العبد من بطن أُمه لا يعلم شيئًا، ولا يقدر على شيءٍ، ولا يملك شيئًا، ولا يقدر على عطاءٍ ولا منع، ولا ضر ولا نفع ولا شيء البتة؛ فكان فقره في تلك الحال إلى ما به كمالُه أمرًا مشهودًا محسوسًا لكلِّ أحد، ومعلوم أنَّ هذا له من لوازم ذاته، وما بالذات دائم بدوامها، وهو لم ينتقل من هذه الرتبة إلى رتبة الربوبية والغنى، بل لم يزل عبدًا فقيرًا بذاته إلى بارئه وفاطره.

فلمَّا أسبغ عليه نعمته، وأفاض عليه رحمته، وساق إليه أسباب كمال وجوده ظاهرًا وباطنًا، وخلع عليه ملابس إنعامه، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وعلَّمه، وأقدره، وحرَّكه، وصرَّفه٣، ومكَّنه من

  1. (١) كذا في الأصل، و"ف"، يعني العلمين الشريفين. وفي "ك، ط": "أنتجتا" يعني المعرفتين.
  2. (٢) "له" ساقط من "ك، ط".
  3. (٣) "ك، ط": "وصرَّفه وحرَّكه".
14

استخدام بني جنسه، وسخَّر له الخيل والإبل، وسلَّطه على دواب الماءِ، واستنزال الطير من الهواء، وقهرِ الوحوش١ العادية، وحفر الأنهار، وغرس الأشجارِ، وشقِّ الأرض، وتعلية البناءِ، والتحيّل على جميع مصالحه٢، والتحرز والتحفظ ممَّا٣ يؤذيه = ظن المسكينُ أنَّ له نصيبًا من الملك، وادَّعى لنفسه ملكةً٤ مع اللَّه، ورأى نفسه بغير تلك العين الأولى، ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة، حتَّى كأنَّه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج المضطر٥، بل كان ذلك شخصًا آخر غيرَه؛ كما روى٦ الإمام أحمد في مسنده من حديث بُسْر٧ بن جِحَاش القرشي أنَّ رسول اللَّه ﷺ بصق يومًا في كفِّه فوضع عليها إصبعه ثمَّ قال: "قال اللَّه ﷿: بُنَيَّ٨ آدم، أنَّى تعجزني! وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بُردين، وللأرض منك وئيد٩، فجمعتَ

  1. (١) "ك، ط": "الوحش".
  2. (٢) "جميع" ساقط من "ك، ط".
  3. (٣) "ط": "لما".
  4. (٤) "ط": "ملكًا".
  5. (٥) "المضطر" ساقط من "ك، ط"، وفي "ك": "والمحتاج".
  6. (٦) "ف": "أخبر"، خلاف الأصل.
  7. (٧) كذا بالسين المهملة في الأصل. وفي غيره بالمعجمة، قال ابن منده: أهل العراق يقولون "بسر" بالمهملة، وأهل الشام يقولونه بالمعجمة. وقال الدَّارقطني وابن زبر وابن ماكولا: لا يصح بالمعجمة، أمَّا أبوه "جحاش" فضبط في الأصل بكسر الجيم، ويقال أيضًا بفتحها وتثقيل الحاء.
    انظر: الإصابة (١/ ٢٩١)، وتوضيح المشتبه (١/ ٥٢١). وفي "ن" حاشية لم تظهر كاملة في المصورة، أشير فيها إلى قول ابن منده.
  8. (٨) "ط": "يا ابن آدم".
  9. (٩) الوئيد: صوت شدّة الوطء على الأرض يُسمع كالدويّ من بُعد.
15

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي